بين التأخير والتدبير… أسرار لا يفهمها المستعجلون!
المستعجل ينظر إلى لحظة التأخير، أما المؤمن فينظر إلى كمال التدبير.
وما أكثر الأمنيات التي أبكت أصحابها حين تأخرت، ثم أضحكتهم الأيام حين اكتشفوا أن تأخيرها كان عين الرحمة! فليس كل بابٍ أُغلق في وجهك حرمانًا، وليس كل ما تأخر عنك خذلانًا، بل قد يكون الله سبحانه يدبر لك من الخير ما لم يكن ليجتمع لك لو جاء الأمر على وفق هواك.
ولذلك يربي القرآن المؤمن على الثقة بحكمة الله، فيقول سبحانه: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216). وبيّن الإمام السعدي في تفسيرها أن الله أعلم بمصالح عباده، وأن الغالب في أحوال الدنيا أن صرف المؤمن عن أمر يحبه قد يكون خيرًا له، وإن لم يدرك وجه الحكمة فيه.
وانظر إلى نبي الله يوسف عليه السلام؛ فقد مكث في السجن سنوات، وكان من عجيب تدبير الله أن أعقب سنوات السجن بالتمكين في الأرض، حتى قال سبحانه: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ (يوسف: 56). لقد صار ما مرّ به من ابتلاء جزءًا من الطريق الذي انتهى إلى التمكين.
وقال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير…» (رواه مسلم، رقم 2999، من حديث صهيب رضي الله عنه، صحيح). فالمؤمن ينظر إلى أقدار الله بعين الرضا والثقة، ويوقن أن الخير قد يكون فيما أُعطي، وقد يكون فيما مُنع، وقد يكون فيما تأخر.
وفي واقع الناس شواهد لا تُحصى؛ فكم من تاجر حزن على صفقة فاتته، ثم تبين له أن نجاته كانت في فواتها، وكم من وظيفة لم يُقبل فيها صاحبها، فإذا الله يفتح له بابًا خيرًا منها، وكم من زواج تأخر أو لم يتم، ثم أدرك صاحبه بعد سنوات أن الله صرف عنه ما لم يكن يعلم عاقبته.
وقد قيل في الشعر:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرج
فالمستعجل ينظر إلى لحظة التأخير، أما المؤمن فينظر إلى كمال التدبير. إنه يأخذ بالأسباب بكل جد، لكنه لا يجعل سعادته معلقة بسرعة النتائج، لأن قلبه معلق برب النتائج سبحانه. فإذا اجتمع صدق السعي مع حسن الظن بالله، تحول التأخير من مصدر قلق إلى بابٍ من أبواب الإيمان والطمأنينة.
فما السلوك الذي سيتغير فعليًا بعد قراءة هذا المقال؟
سأتعامل مع تأخر الأمنيات بمنظار الإيمان لا بمنظار الاستعجال، وسأحسن الظن بالله في كل ما يقضيه ويقدره، وأواصل السعي دون يأس أو تذمر، وأوقن أن تدبير الله خيرٌ من تدبيري، وأن ما اختاره لي هو الخير، وإن خالف ما كنت أتمناه.
وما هي الدروس التطبيقية التي نمارسها ونعلمها غيرنا؟
- نغرس في أنفسنا وأبنائنا أن التأخير ليس دائمًا حرمانًا، بل قد يكون رحمةً، وحمايةً، وإعدادًا لخيرٍ أعظم.
- نجمع بين الأخذ بالأسباب، والصبر على النتائج، والتوكل الصادق على الله، فلا يقودنا التأخير إلى الكسل ولا إلى الاعتراض.
- نربي أنفسنا على حسن الظن بالله، ونستحضر دائمًا أن الله يعلم ما لا نعلم، ويختار لعباده ما يصلحهم.
- نقاوم ثقافة الاستعجال التي أصبحت سمةً من سمات هذا العصر، ونتعلم أن الإنجازات الراسخة تحتاج إلى صبرٍ وتدرج.
- نحول كل تأخير أو تعثر إلى فرصةٍ لمراجعة النفس، وتصحيح المسار، وزيادة القرب من الله، بدلًا من أن يكون سببًا للإحباط أو اليأس.
المراجع
- القرآن الكريم (البقرة: 216، يوسف: 56).
- صحيح مسلم (2999)، حديث صهيب رضي الله عنه.
- تفسير السعدي، البقرة: 216.
- تفسير ابن كثير.
- تفسير الطبري.