Archives

استراتيجية القنفذ في القيادة

التركيز الذي يصنع العظمة

كثرة الفرص ليست دائمًا ميزة؛ أحيانًا يبدأ التفوق عندما تعرف ما الذي يجب أن تتركه، وتركز على الشيء الذي يمكنك أن تتقنه حقًا.

يقول المثل اليوناني القديم: «الثعلب يعرف أشياء كثيرة، أما القنفذ فيعرف شيئًا واحدًا عظيمًا.» وقد استلهم جيم كولينز هذا المعنى في كتابه من جيد إلى عظيم ليقدم واحدًا من أشهر مفاهيمه في القيادة والإدارة الاستراتيجية: مفهوم القنفذ Hedgehog Concept.

وتحكي الفكرة أن الثعلب يمتلك عشرات الحيل والخطط للإيقاع بالقنفذ. ففي كل مرة يقترب منه يغيّر أسلوبه ويجرب طريقة جديدة، معتقدًا أن كثرة الخيارات ستقوده في النهاية إلى النجاح. أما القنفذ فلا يمتلك كل هذا التعقيد؛ لكنه يعرف نقطة قوته الحقيقية، فعندما يشعر بالخطر يلتف حول نفسه ويبرز أشواكه، فتفشل محاولات الثعلب مرة بعد أخرى.

وهنا يظهر الدرس: الثعلب لا يخسر بسبب نقص الذكاء، بل بسبب تشتت اتجاهاته؛ والقنفذ ينجح لأنه يعرف فكرته الكبرى ويلتزم بها.

ومن هنا تأتي الرسالة الجوهرية للمفهوم: التميز لا يتحقق بكثرة الاتجاهات، بل بوضوح الاتجاه والتركيز عليه بإتقان.

ويرى كولينز أن المؤسسات التي تنتقل من «الجيد» إلى «العظيم» تبني مفهومها الواضح عند نقطة التقاء ثلاث دوائر:

أولًا: ما الذي يمكن أن نكون الأفضل فيه فعلًا؟

ليس السؤال: ما الذي نجيده حاليًا؟ بل: ما المجال الذي يمكن أن نمتلك فيه قدرة حقيقية على التفوق، وما المجالات التي لا يمكننا أن نكون الأفضل فيها؟

ثانيًا: ما الذي يحرك محركنا الاقتصادي أو مواردنا؟

في الشركات يكون السؤال عن العامل الأكثر تأثيرًا في المحرك الاقتصادي والاستدامة المالية. أما في المؤسسات غير الربحية والاجتماعية، فيوسع كولينز المفهوم إلى محرك الموارد بما يشمل المال والوقت ورأس المال البشري وقوة العلامة والسمعة.

ثالثًا: ما الذي نعمل فيه بشغف حقيقي؟

فالاستراتيجية القوية لا تقوم على الجدوى وحدها، وإنما تتصل أيضًا بما يؤمن به الناس داخل المؤسسة ويستطيعون الالتزام به والاستمرار في تطويره.

ومن أمثلة كولينز شركة Wells Fargo؛ فقد تخلت عن محاولة محاكاة البنوك العالمية في كل شيء، وبلورت مفهومًا أكثر تركيزًا يقوم على إدارة البنك كعمل تجاري منضبط، والتركيز الجغرافي، وتحسين الربح لكل موظف. ويرى كولينز أن وضوح هذا المفهوم والاستمرار عليه كانا من عوامل انتقالها إلى نتائج متفوقة.

وفي كثير من مؤسساتنا العربية، قد لا تكون المشكلة في نقص الفرص أو الموارد، بل في تعدد المبادرات دون فكرة استراتيجية جامعة. تبدأ المؤسسة في مجال تتقنه، ثم تغريها فرص جديدة؛ فتتوسع في أنشطة لا ترتبط بميزتها الأساسية، فتزداد الأعمال بينما تتراجع جودة التنفيذ.

ولهذا فإن مفهوم القنفذ لا يقول: لا تتوسع، وإنما يقول:
لا تجعل التوسع يخرجك من منطق تميزك.

فالتركيز يسبق التوسع، والإتقان يسبق التنوع.

ولا يقتصر المفهوم على الشركات التجارية؛ بل يمكن تطبيقه في الشركات العائلية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات غير الربحية، بل وعلى الفرد في بناء مساره المهني. وكولينز نفسه يوضح إمكانية الاستفادة من الدوائر الثلاث على المستوى الشخصي أيضًا.

دروس عملية من استراتيجية القنفذ

  • ركّز على نقاط قوتك الجوهرية بدل محاولة منافسة الجميع.
  • لا تدخل مجالًا جديدًا لمجرد أن الآخرين نجحوا فيه.
  • ميّز بين ما تجيده وما تستطيع التفوق فيه فعلًا.
  • حدد العامل الأكثر تأثيرًا في استدامتك ومواردك.
  • ابنِ استراتيجيتك حول عمل تؤمن به وتستطيع الالتزام به.
  • قلّل عدد الأولويات، وارفع جودة التنفيذ.
  • اختبر كل مبادرة جديدة بالسؤال: هل تخدم فكرتنا المحورية أم تشتتنا عنها؟

الخلاصة

العظمة لا تأتي من التعقيد، بل من وضوح عميق يتبعه انضباط في التنفيذ.

فالمؤسسات والقادة الذين يعرفون ما الذي يستطيعون التفوق فيه، وما الذي يحرك استدامتهم ومواردهم، وما الذي يعملون فيه بشغف حقيقي؛ أقدر على بناء نجاح طويل المدى.

وفي عالم يمتلئ بالفرص والمبادرات، قد يكون أصعب قرار استراتيجي وأهمه ليس أن تقول: ماذا سنضيف؟

بل أن تسأل:

ما الشيء العظيم الذي ينبغي أن نركز عليه… وما الأشياء الجيدة التي يجب أن نقول لها: لا؟

د. محمد ناجي عطية
مستشار التطوير الإداري والتنمية الذاتية

حقوق المسلم على المسلم

قال رسول الله ﷺ:

«المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».

متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ذكر أهل العلم أن أخوة الإسلام حقوق عملية: لا تظلم أخاك، ولا تتركه لمن يظلمه، واقض حاجته، وفرّج كربته، واستر عليه فيما يشرع فيه الستر. وتأمل الجزاء: تكون في حاجة أخيك فيكون الله في حاجتك، وتفرّج عنه فيفرّج الله عنك، وتستره فيسترك الله؛ فأحسن إلى أخيك وانتظر إحسان الله إليك.

غرِّد بالسُّنَّة

ولا تقفُ ما ليس لك به علمٌ

يقول الله تعالى:

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ۝ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾
(الإسراء: 36-37)

ذكر أئمة التفسير أن من معاني ﴿وَلَا تَقْفُ﴾: لا تتبع ما لا علم لك به؛ فلا تجعل الظنون أخبارًا، ولا تتبع عورات الناس، ولا تقل: رأيتُ ولم تر، وسمعتُ ولم تسمع، وعلمتُ ولم تعلم. وتأمل الوعيد: سمعك وبصرك وقلبك التي تتتبع بها ستُسأل عنها! فاكففها عما لا يعنيك، وتثبت قبل أن تتكلم؛ فإنك مسؤول.

غرد بالقرآن

« Older Entries