أخلاقنا.. صور مشرقة وأخرى محرقة!!

المختصر/

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت …. فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

مقالة أخلاقنا – صور مشرقة وأخرى محرقة، محاولة لتشخيص وتحليل للأسباب الكامنة وراء ما يمكن أن تقوم به الدنيا ويستقيم نظامها وتستتب أوضاعها، أو ما قد يفسد ويعطل نظامها فتنهار مجتمعاتها ماديا ومعنويا. إنها البواعث الحقيقية والخفية التي غالبا ما تغيب في مفردات المخططين والمفكرين والاستراتيجيين، والذين كثيرا ما يركزون على القدرات والكفاءات والماديات والامكانيات، وهم أثناء ذلك يشعرون أو لا يشعرون أن كل هذه المقومات والممكنات وراءها يكمن سر الأسرار ومفتاح كل تقدم وفلاح، فأنها لا يمكن أن تقوم البتة ألا أن يتبناها الإنسان المخلص باعتباره أغلى مورد على وجه الأرض. وهذا الانسان بكل أصنافه ومستوياته ومسئولياته، لا يمكن أن يحقق المطلوب منه على أكمل وجه حتى تمتلئ نفسه وتتشبع روحه بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة والتي أساسها ولبها وجذرها وساقها: الإخلاص في العمل، والصدق في القول والفعل، والأمانة في التعامل، وأمثالها من الأخلاق الفاضلة، فإنها صمام أمان لضمان أعلى إنتاجية وبأعلى جودة، وبكل أمانة ومصداقية، مصحوبا ببذل أقل مجهود استراتيجي في الرقابة وتوفير تكاليفها باهظة الثمن. فهذا هو سر الأسرار والمتمثل في العمل على استراتيجية إعادة الحياة للضمير الإنساني بعد أن دمرته طبيعة الحياة المعاصرة.

تمهيد

لعلنا جميعا نلاحظ أن الأمة في وقتنا الراهن تعاني من ضعف وقصور شديد أن لم يكن انعدام في القيم والأخلاق على كافة المستويات، بين الحكام والمحكومين، والرؤساء والمرؤوسين، وبين المدير والعاملين، وبين المعلم وطلابه، وبين التاجر والزبائن، وبين الرجل وزوجته وأولاده وأرحامه وجيرانه.

إن هذا الدخن الذي حل بالأمة لم يكن معروف في أجيالها في العصور المتقدمة، رغم وجود السوء والشر، لكن السمة الغالبة كثيرة الخير وقلة الشر، بينما في عصورنا الحاضرة يستطيع المراقب ان يلاحظ بكل سهولة ويسر غلبة الشر وخفوت الخير من أغلب المجتمعات.

تتناول المقالة صورا مشرقة من القيم والأخلاق باعتبارها البناء المرجعي لمنظومة القيم والأخلاق، ونتناول صورا مشرقة أخرى في هذا العصر، ثم نستعرض بعض الصور المحرقة. ونحن نسوق هذا يحدونا الرجاء و عظيم الأمل أن تكون هذه الكلمات صرخة في عالم الضمير الإنساني إلى إعادة النظر في الأسباب والمسببات وإيجاد الحلول والمعالجات لهذا الأمر الجلل والرزية الكبيرة، أقصد انعدام منظومة القيم والأخلاق في المجتمعات.

صور مشرقة

تأملت في العصر الجاهلي قبل بعثة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فلاحظت أمرا عجيبا، أن أكثر الناس لم يكن لديهم دينا ينظم حياتهم، لكن كانت عندهم منظومة من مكارم الأخلاق، مثل الصدق والأمانة والوفاء بالعهود والعقود والكرم والنجدة وغيرها، توارثوها كابرا عن كابر، فصارت ثقافة تتناقلها الأجيال وتعتز بها، وينتقصون من لا يقيمها بل يعيرون من لا يلتزم بها، حتى أحجم “أبو سفيان” أن يكذب على النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما لاحت له فرصة يريد أن يطعن بعرضه من خلالها، أو يشوه سمعته كخصم لدود، أحجم عن ذلك حتى لا ينقل الناس عنه كذبا ولو على خصم فضلا عن صديق، وقد كان حينها كافرا ولم يؤمن بالله تعالى بعد[1]. ومثله ما قال “عنترة بن شداد” وهو من الشعراء العرب في العصر الجاهلي: ” وأغض طرفي إن بدت لي جارتي … حتى يواري جارتي مثواها”[2]

ولا عجب أن كان أحد أهم ما جاء به رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، أن يتمم تلك المكارم ويربطها بالدين، ولعل معنى الإتمام هنا الاستكمال والإصلاح لأمر أصله موجود لكن طرأ عليه بعض القصور والتشويه، فكانت إحدى أضخم مهام النبي الكريم أن يكمل وينظم تلك الأخلاق ويرفعها إلى مقام الشعائر التعبدية التي يتقرب الناس إلى الله بها، ووعد بالثواب العظيم عليها، وتوعد بالشر المستطير لكل من مارس مساوئ الأخلاق.

فليس غريبا على دين الإسلام الذي كان من أول ما بدأ به أول أمره بناء منظومة الاخلاق والقيم ، أن يعِد من رفع غصن شوك من طريق الناس بالشكر من الله والمغفرة بل يدخل الجنة ويتقلب بنعيمها بسبب عمله الصغير هذا والذي عظمته القيمة التي ينتمي اليها وهي رفع الضرر والأذى عن الناس[3]. ومثلها أن يعد امرأة بغي (مومس) بالمغفرة من كل كبائرها، بسبب كلب سقته حينما بلغ به العطش مبلغا عظيما، انه عمل صغير عظمته قيمة الرحمة التي تحييها في المجتمع.  وبالمقابل يتوعد امرأة بالعذاب في النار لعمل قد يبدو في نظر الناس اليوم صغيرا لكنه عند الله كبيرا كونه يتعلق بالقيم والأخلاق التي حاولت تهدمها في المجتمع، فقد حبست هرة حتى ماتت ولم ترحمها فتطعمها أو تطلقها تبحث لها عن رزقها[4].

النتائج المتوقعة

وكان من أولى النتائج لإعمال هذه المبادئ أن وجدت أرضية مشتركة يمكن أن يتخاطب بها النبي مع قومه حتى يوصل إليهم ما يريد، وبنفس الطريقة أحتمى ودعوته من بعض شرورهم قبل أن يعتنقوا الدين الجديد، بل أنه أوجد بيئة يمكن التعايش فيها بين المسلم وغير المسلم من العرب بما يأمن كل واحد على نفسه وعرضه، ويبلغ فيه دينه.

كما أثمرت عن صدور جيل يجمع بين إقامة الشعائر التعبدية جنبا الى جنب مع القيم الحميدة والأخلاق السامية بنفس المستوى ولا انفصام بينهما سواء على مستوى القيادات أو الأفراد ، الى درجة أنه أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: ” لو أن جملا أو قال شاة أو قال حَمَلا، هلك بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه”[5] ، ولا غرابة أيضا أن يموت جميع الجرحى في إحدى الغزوات وشربة ماء واحدة تدور بينهم، بدأت من أولهم ورجعت إليه ثم إلى إخوانه من بعده، ولكن بعد أن فارقوا جميعا الحياة، وهم أحوج ما يكونون إليها لإنقاذ حياتهم، لكن خلق الإيثار العميق منعهم من ذلك[6] . إلى غير ذلك من الصور المشرقة من تاريخنا العريق والتي هي كثيرة تفوق الحصر وإنما قصدنا الإشارة لا التفصيل.

صور مشرقة من صنف آخر

وبالمقابل، تأملت في المجتمعات الغربية، فوجدت أنهم يتعايشون (فيما بينهم) بقواسم مشتركة من القيم ومكارم الأخلاق، وهي ما يطلقون عليه “مبادئ حقوق الإنسان” إلى درجة أنه لا يمكن تصور أن يهان منهم فرد في مجتمعهم أو خارجه وفيهم عين تطرف، فتقوم الدنيا ولا تقعد حتى يأخذوا الحق له، صغيرا كان أم كبيرا ذكرا كان أم أنثى، ليس ذلك فحسب، وإنما الحقوا بهم من يحمل جنسياتهم من غيرهم.

أخبرني قريب لي عاش زمنا طويلا في إحدى تلك البلدان، وقد تواتر لدي النقل بعد ذلك، أن النظم في تلك البلدان تقضي أن لكل فرد الحق في الحياة الكريمة، وله الحق أن يأكل ويشرب ويتعالج ويعيش مكرما في بلده، على حساب حكومته، فان كان من القادرين على العمل، دفع ضرائب للحكومة نسبة معلومة من دخله، وإن كان عاطلا، التزمت الحكومة بدفع ما يكفيه من معاش حتى يدبر نفسه بعمل، ولو قضى عمره كله على تلك الحال.

 وأعجب من ذلك أن تلك الدول ترعى أناسا من غير جنسياتهم، عاشوا فيها منذ زمن عمالا، ولما كبروا وعجزوا عن العطاء والعمل، أحيلوا على المعاش التقاعدي، والحقوا بهم زوجاتهم، فيدفعون لهم معاشات شهرية بما يكفيهم، حتى يتوفاهم الله، وتأتيهم بتلقائية عجيبة، دون الحاجة إلى كثر إلحاح أو مطالبة أو مماطلة، وهناك حالات كثيرة وقفت عليها بنفسي.

وهنا نلاحظ أنه حتى لو لم يوجد دين، فتوجد على الأقل قيم وأخلاق يستطيع الإنسان أن يعيش بموجبهما حرا كريما، لا يهان ولا يبخس حقه، فضلا عن أن يظلم أو تؤخذ الحقوق التي هي أصلا ملكا  له، وقد استحقها، أو يعتدى على حقه أو يغتصب ملكه. فأنا أتكلم عن ظواهر وقواعد عامة وقوانين نافذة وسارية المفعول، تعيشها أمم وشعوب، ولا أتكلم عن حالة أو حالات فردية أو جماعية.

أسوق هذا الكلام مع التحفظ الشديد على انعدام خلق العفاف المجتمعي وسياسات البعض تجاه غيرهم، فلديهم أزمة أخلاقية حقيقية، وانحرافات خطيرة، لاسيما في سياساتهم الخارجية، حيث أنها تبنى على قاعدة المصالح، لكني أعني الحديث عن سياساتهم الداخلية تجاه رعاياهم ، وكل من أقروا له بحق الرعاية.

صور محرقة

واليوم وفي هذه القرون، قد داهم العرب والمسلمين خطر كبير وشر مستطير، وهو انهيار منظومة الأخلاق التي دعا لها ديننا الحنيف وقررتها الفطر السليمة حتى في الأمم الكافرة والشعوب الجاهلية، فظهر شر ذلك على كل المستويات، واستفحلت وتعمقت حتى صارت أزمة حقيقية، تعاني منها الأمة، فأصبحت – في تقديري – من أكبر المصائب والنكبات التي ابتليت بها الأمة، وباب شر فتح عليها دخلت عليها منها سائر الشرور، ولعل السبب يعود الى أنهم غيروا ما في نفوسهم فتغيرت أحوالهم، ولو عادوا لعادت الى طبيعتها.

وقد قرر فقهاء الإسلام حقائق عظيمة تفسر بعض ما يجري من أزمة القيم والأخلاق، ومن ذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة إن كانت مسلمة”، وقوله: “الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام”[7] . فهذا هو شأن منظومة الأخلاق التي ذكرت لكم وعظيم أثرها في بقاء أو زوال الدول والأمم والشعوب.

صور محرقة

سأعرج على بعض المظاهر التي نعيشها جميعا – كأمثلة – على مستوى تدني الأخلاق في كافة مستويات المجتمع، إلى المستوى الذي يمكن اعتبار أنه أزمة حادة. مع وجودب التنبيه إلى أن ذكر هذه المظاهر لا يعني انعدام أو قلة من يحملون القيم والأخلاق الحميدة، فهم لا يزالون موجودون في كل مجتمع، لكن القصد الكثرة الكاثرة والغلبة الغالبة من الناس في أي مجتمع معاصر.

فمن تلك الصور: انتشار ظاهرة الكذب وغياب الصدق، غياب الوفاء بالوعود والعهود والمواثيق والعقود، انتشار ظاهرة خيانة الأمانة في الأموال والأعراض، الغش في البيع والشراء وظهور الاحتكار والجشع ورفع الأسعار بقصد المشقة وكثرة التربح على حساب معايش الناس. ويدخل في معنى الغش؛ غش الطلاب في الامتحانات من أجل النجاح الكاذب، و انتشار عقوق الآباء والأمهات، قطيعة الأرحام وهجران العمات والأعمام والأخوة والأخوات وسائر الأهل والأقارب والأرحام، وتفتت الأسرة ؛ نواة المجتمع وتشرد أبنائها في الأرجاء، وانتشار الحسد والحقد والغل، وانتشار ظاهرة أكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور والحلف بالأيمان الكاذبة لإحقاق الباطل أو إبطال الحقوق، وغياب خُلُق التراحم بين المسلمين من عدم توقير الصغار للكبار وضعف عطف الكبار على الصغار، ومظاهر الكبر والغرور، وعدم مراعاة مشاعر الآخرين، وعدم الاهتمام بحقوق الإنسان.

وبعد/

فهذه محاولة لتشخيص وتحليل للأسباب الكامنة وراء ما يمكن أن تقوم به الدنيا ويستقيم نظامها وتستتب أوضاعها، أو ما قد يفسد ويعطل نظامها فتنهار مجتمعاتها ماديا ومعنويا. إنها البواعث الحقيقية والخفية التي غالبا ما تغيب في مفردات المخططين والمفكرين والاستراتيجيين، والذين كثيرا ما يركزون على القدرات والكفاءات والماديات والامكانيات، وهم أثناء ذلك يشعرون أو لا يشعرون أن كل هذه المقومات والممكنات وراءها يكمن سر الأسرار ومفتاح كل تقدم وفلاح، فأنها لا يمكن أن تقوم البتة ألا أن يتبناها الإنسان المخلص باعتباره أغلى مورد على وجه الأرض. وهذا الانسان بكل أصنافه ومستوياته ومسئولياته، لا يمكن أن يحقق المطلوب منه على أكمل وجه حتى تمتلئ نفسه وتتشبع روحه بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة والتي أساسها ولبها وجذرها وساقها: الإخلاص في العمل، والصدق في القول والفعل، والأمانة في التعامل، وأمثالها من الأخلاق الفاضلة، فإنها صمام أمان لضمان أعلى إنتاجية وبأعلى جودة، وبكل أمانة ومصداقية، مصحوبا ببذل أقل مجهود استراتيجي في الرقابة وتوفير تكاليفها باهظة الثمن. فهذا هو سر الأسرار والمتمثل في العمل على استراتيجية إعادة الحياة للضمير الإنساني بعد أن دمرته طبيعة الحياة المعاصر.


[1] – من الحوار الذي دار بين هرقل عظيم الروم وابي سفيان بن حرب قبل أن يعلن اسلامه بزمن طويل.

[2] – عنترة بن شداد من قصيدته الموسومة:” يا عبل أين من المنية مهربي” من شعر العصر الجاهلي. نقلا عن موسوعة  https://www.aldiwan.net/

[3]– ” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه ) من حديث ابي هريرة في صحيح ابن حبان،  وله في رواية لمسلم : (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الْجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ” نقلا عن موسوعة الدرر السنية  https://www.dorar.net/

[4]– الاحاديث صحيحة في صحيح البخاري ومسلم

[5] أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنف” (34486) ، والخلال في “السنة” (396) نقلا عن موقع الإسلام سؤال وجواب https://islamqa.info/

[6] -البداية والنهاية لابن كثير، نقلا عن موسوعة الدرر السنية https://www.dorar.net/

[7] – مجموع الفتاوى 28/ 63 نقلا عن الموسوعة الشاملة


arid.my/0005-2054
طالع الموضوع في مدوني الخاصة بمنصر أريد العالمية للابحثين العرب


اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s