كيف تقوي ثقتك بربك و تحقق أقصى استفادة منه – تمرين عملي

الحقائق الثلاث /

من المدخلات الضرورية لسعادتك هناك ثلاث حقائق يجب الوقوف عندها والتأمل فيها كثيرا ففيها سر عجيب لتحقيق تلك السعادة وهي: حقيقة الخالق العظيم، حقيقة الانسان، والثالثة: كيف نحقق الاستفادة القصوى من قدرة الله ورحمته.

الحقيقة الأولى: حقيقة الخالق العظيم:

من حكمة الله أن خلق الخلائق كلها وقدر أقواتها وأرزاقها وآجالها، وخلق الانسان وكرمه وفضله على العالمين، وجعله خليفته في أرضه ليعمرها ويصلحها ولا يفسد فيها، فميزه بالعلم والعقل والذكاء على سائر الكائنات. ومن حكمته أن جعل القوة كلها له وخزائن كل شيء بيده، وعلمه وسع كل شيء لا يغيب عن علمه قيل ولا كثير، وله القدرة البلغة فلا يعجزه شيء ولا يصعب عليه شيء، وهو أرحم الراحمين بخلقه فلا يجدون رحيما مثله لا أب ولا أم ولا صديق إطلاقا وإذا جمعت رحمات جميع الرحماء، فلا تبلغ شيئا أمام رحمته الواسعة. ومن رحمته خلق بني آدم بيده، وجعلهم فريدين من نوعهم، وتولى بنفسه تدبير شئون حياتهم ومعايشهم منذ أن كانوا في غياهب الظلمات في أصلاب آبائهم وترائب أمهاتهم، وأوجد لهم كل ما يحتاجون إليه لتسهيل معيشتهم، ولازمتهم رعايته وعنايته لحظة بلحظة ويوما بيوم حتى ينتهي دور الانسان بالحياة.

الحقيقة الثانية: حقيقة الانسان:

لحكمة بالغة قد تكون الابتلاء والاحتياج، ومع ما شرف الله الانسان وميزه وفضله على جميع مخلوقاته، إلا أنه قدر عليه أن يكون ضعيفا، وجعل هذا الضعف ملازما له ، يسري في جميع جوانب حياته، وما الموت والنوم والتعب والمرض وضعف القدرات العقلية والجسدية، والغضب والطيش ،  إلا صورا يسيرة لتوكيد ذلك الضعف. حتى بيئته التي يعيش فيها يعتريها النقص والضعف، وما التغير والتحول والزوال والكوارث والجوائح الا سمة من سمات ذلك الضعف. وبمقابل ذلك منح الله الانسان أسباب القوة (النسبية) التي يتغلب فيها على ضعفه لمصارعة الحياة، ومنها اعطاءه القدرات العقلية والجسدية، وأنار له دروب العلوم والمعرفة وسهل له أسباب الرزق والمعيشة، وجعل له كل ما في الأرض مسخرا بين يديه.

الحقيقة الثالثة: كيف نحقق الاستفادة القصوى من قدرة الله ورحمته.

ومقابل ما سبق من الحقائق، يأتي الدور المطلوب للإنسان، بصفته مخلوق من قبل الخالق، وهو بطبعه يبحث عن السعادة والحياة الهانئة الهادئة. ومن ان أجل ان يهتدي لأقصر الطرق إلى السعادة، عليه ألا يطيل على نفسه طريق الحصول عليها، بالبحث عن طرق غير مضمونة العواقب في الوصول الى رحمة الخالقة ورضوانه، التي جعلها سببا في الحصول على النعيم الذي أعده الله للناجحين من الناس، وعليه أن لا يحاول العيش في وهم من السعادة الزائفة التي تتعارض مع طبيعة رسالة الانسان والغاية من وجوده في الحياة.، فذلك الوهم بلا شك سيتلاشى ويذوب في أول موقف يقرب فيه من الله.

ومن أبرز أدوار الإنسان في الحياة التعرف على أمرين اثنين يشغل بهما حياته ويضعهما نصب عينيه وهما : التعرف على الخالق الرحيم ، والتعرف على طريق الوصول اليه والاستفادة من قدراته والاستعانة بها عمارة الأرض وفق منهج ذلك الخالق العظيم ، ثم الحذر من إشغال نفسه بمهام ووظائف تتنافى مع الحقائق الخالدة المذكورة، فإذا فعل ذلك، فإن جذوة الصراع ستنطفئ في أعماق ضميره، ولن يطفئها غير ذلك.

فإذا فهمت هذا، علمت حقا أن الإنسان محتاج الى الله في كل شيء، في صحته ومرضة وقوته وضعفه ومأكله ومشربه، والهواء الذي يتنفس به، ومحتاج اليه في هدايته وإعانته وتسديد فكره ورأيه الى الطريق الصواب، ومحتاج الى الله أن يعصمه من المصائب والمحن والفتن ما ظهر وما بطن. باختصار لا يستغني عنه طرفة عين فما دونها، ومن زعم غير ذلك فقد أقحم نفسه في أبواب من الوهم والسعادة الزائفة، وسيندم حتما يوما ما حين لا ينفع الندم.

ولذلك فما نسمع عنه من السعادة الحقيقية التي اكتشفها الأنبياء والصالحون والعارفون لم ينالوها بكثرة الأموال والأولاد والملك وحب الزعامة، لكنهم وجدوها في سر أسرار السعادة وروحها المستتر وهي راحة الضمير، ولن يجدوها حتى يسيروا وفق الطريق المرسوم لهم من الخلاق الرحيم، وحينما تخشع قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم لخالقهم، وحينما يسجدون بين يدي الله يرجون رحمته ويلبونه المزيد ويسألونه التوفيق ويستعيذون به أن ينساهم.

سؤال بسيط /

هل بالإمكان الحصول على راحة البال وراحة الضمير دون التعامل مع هذه الحقائق؟  والإجابة مطروحة لضمائركم.

النتيجة/

أن من نتائج هذا الفهم تحقيق السعادة الحقيقية غير المزعومة أو الموهومة، والتي من أسبابها حصول الطمأنينة والسكينة في أعماق قلبك ، والتوافق والانسجام بين متطلبات روحك ومتطلبات جسدك ،  فيحصل معك ما يأتي:

** اليقين في قدرة الله المطلقة وحكمته البالغة.

** التعرف على مدى رحمته الواسعة لعبادة السائرين في دروب عبادته، وغضبه على عباده المخالفين لطريقته.

** توحيد الله والإيمان بالقضاء والقدر والتسليم التام له.

** إقامة الصلاة كوسيلة عظمة للتواصل مع الله

** طهارة القلب والجسد

** فعل الخيرات وترك المحرمات

حسن الظن بالله وبرحمته وأنه لا يضيع من السائرين على دربه.

ذكر الله دائما وفي كل حال.

الدعاء لتفريج الهموم وقضاء الحاجات.

** الارتياح لقراءة القرآن وسماعه لأنه كلام الله لخلقه.

** الاستمتاع بزيارة الرحمن في بيته وعدم الانقطاع عن ذلك.

نبذة من حياة السعداء/

دعونا نتأمل في أحوال هؤلاء السعداء.

** نوح (عليه السلام) لم يشعر أبدا بالقلق وهو راكب مع من معه في سفينة مصنوعة من ألواح خشبية ومسامير فقط، وهي تجري بهم في موج كالجبال (الجبال)، فلماذا؟

** إبراهيم لم يشعر بالقلق وقد وثقوه بالحبال وهو يرى السنة اللهب تكاد يحرق لهيبها كل شيء، فلماذا؟

** وموسى لم يشعر بالقلق وقد داهمه جيش فرعون الجرار وكان البحر أماه ، فانهار قومه وقالوا إنا لمدركون فنهرهم بقوة و “قال كلا إن معي ربي سيهدين”، فلماذا؟.

** وهذا الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام وصاحبه مهاجران وقد لجأوا الى الغار ، ووصل اليهم من يطاردهم، حتى وقفوا على باب الغار ، ولو ان أحدهم نظر إلى قدميه لرآهم ، فيقول لصاحبه بكل ثقة وأمان” لا تحزن، إن الله معنا” أو قال ” ما ضنك باثنين الله ثالثهما، فلماذا؟

إليك يا عاشق السعادة /

إذا تريد السعادة اختصر الطريق اليها، بلزوم طريق هؤلاء، فلم يحققوا السعادة بجمع متاع الدنيا وزينتها ( وإن كان مباحا ) ،  لكن  اختصروا الطريق فكان عندهم ثقة عظيمة لا تزحزحها جبال الدنيا بالله الواحد القهار.

هل يشتاق قلبك أن تسمع يوما من الأيام  هذا النداء العظيم: “يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي الى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي”؟.

تمرين التطبيق العملي رقم: (7 )

اسم التمرين: كيف تقوي ثقتك بربك و تحقق أقصى استفادة منه

فكرة التمرين:

لا يمكن للإنسان أن يحقق السعادة دون أن يتعلم سبب وجوده في هذه الحياه، ويتعرف على خالقة ورازقه، ويتعلم كيف يحقق رضاه، كيف يسير في طريقه ويتجنب ما يغضبه، فهذه الفكرة على بساطتها وبديهيتها ، قد ظل عنها قسمان من الناس، الأول : من يجهلها من اتباع النبي محمد عليه الصلاة والسلام بصفته النبي الخاتم ورسول الله الى البشرية (كلها) ، والثاني : من لم يؤمن بها من الأصل، وكلا القسمان انحرفت بوصلتهم الى اتجاه آخر ، فاشتغلوا بجمال الدنيا وزينتها ، وأفنوا أعمارهم بسعادة مؤقتة سرعان ما تزول حينما تتوقف حياة الانسان، ووجد ان رصيده  المدخر للآخرة  (صفرا)، أو ( لا يغطي).

الهدف من التمرين:

يهدف التمرين إلى شحذ همتك ولفت انتباهك إلى حقيقة وجودك وطبيعة مهمتك في الدنيا،  من خلال (ست ) خطوات بسيطة، ربما لن تكون جديدة عليك ولكن  تتعلم  من خلالها كيف تركز عليها أكثر، وستكون بمشيئة الله سببا في تحقيق سعادتك مع أخذ حقوقك في الدنيا،  وتريحك من تأنيب الضمير خوفا من تقصيرك في  استحقاقات الآخرة،  و تفتح ذهنك على أبواب التوفيق والرحمة من الخالق العظيم.

خطوات تطبيق التمرين/

تنبيه / حتى تتعلم منطلقات التمرين، انصح ان تراجع المادة المكتوبة قبل البدء بالتطبيق، حتى تساعدك على سهولة التطبيق (تجدها على الرابط https://drmnatiah.com )

1/ اتخذ قرارك بتحقيق رضا الله في كل أقوالك وأعمالك مهما كانت الظروف، واستعن به يعينك، وتوكل عليه يساعدك.

2/ تدرج مع نفسك ولا تجبرها على الاستقامة فجأة، حتى لا تمل، واعمل ما تقدر عليه، وطور أدائك مع الله باستمرار، وحاول أن يكون ما تعمله بكل حب وشوق وحرارة.

3/ من أعظم أبواب الثقة بالله ثلاث، اجعلها دائما نصب عينيك وحاول تتمرن عليها باستمرار حتى تصبح جزء من حياتك اليومية وهي: لا تمل من زيارة المساجد (بيوت الله) والمكث فيها ولو لوقت يسير للخلوة به ، ومناجاته، وعليك بأداء الصلاة في المساجد الله  (للرجال طبعا)،  ثم قراءة القرآن كلام الله العزيز (بشكل يومي )  ولو صفحات يسيرة حسب قدرتك.

4/  ” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا ، و سبحوه بكرة وأصيلا ”  استجب لهذا النداء من الله لك. ومن أهم الذكر ما يكون بعد الصلاة، وأذكار الصباح، وأذكار المساء، ثم ما تستطيع من التسبيح والتحميد والتكبير خلال يومك.

5/ اقنع نفسك  بأربع حقائق مذهلة  ،ولا تشك فيها أبدا ، فهي تذهب عنك الخوف: أن كل شيء خلقه الله بقدر معلوم مكتوب (فلا خوف)، وأن من كان مع الله كان الله معه ولن يضيعه (فلا خوف)، وأن من توكل على الله حق التوكل كان وكيله الأمين على كل شئونه ، رب المشرق والمغرب لا إله الا هو فاتخذه وكيلا”، فمن أقوى من الله؟ ، ثم احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهاك (فلا خوف الا من المعاصي).

6/ عليك بثلاث خصال لا تتركها أبدا.. أبدا: الدعاء فإن الله يقول “ادعوني استجب لكم” ولا تمل منه أبدا فهو يحب الالحاح عليه، وكثرة الاستغفار والتوبة، فإنها تمحو الخطايا صغيرها وكبيرها وتصفِّيها أولا بأول ولا تجعلها تتراكم، ثم الصدقة ولو من القليل (حتى تمرة أو نصفها) ، فإن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار، وانت بحاجة الرضا جدا.

تنبيه /

هذا لا يعني أنه لا يوجد غير هذا من الأعمال، لكن المقصود التدرج بأن تتمرن على هذه الاعمال كأساس لتقوية الثقة بالله تعالى، ثم انطلق نحو المزيد حسب قدرتك، وكلما زدت وجدت الله يزيدك ف ( هل جزاء الإحسان الا الاحسان).

المزيد من التفاصيل

المزيد من التمارين حول ثمن السعادة هنا https://drmnatiah.com/

ابتعد عن تضخيم الأمور واعطها حجمها الطبيعي

مقدمة/

واحدة من مشكلاتنا الأساسية التي تشغل بالنا وترهق أعصابنا هي تضخيم الأمور وتهويلها وإعطائها أكبر من حجمها الطبيعي، نتيجة للتقييم الخاطئ لحجم الأمور والحداث وخاصة السلبية والعشوائية في معرفة تأثيرها وضررها الحقيقي علينا، وحينها نلجأ الى الأسلوب السهل والخاطئ بنفس الوقت وهو تخيل أبلغ الضرر وأعمق الأثر السلبي علينا، حتى نستعد ونأخذ الاحتياطات لحماية أنفسنا من ضرره وتأثيره.

والمشكلة تكمن في انعدام منهجية في التقييم السليم للحدث، والذي يكون وفق معياري الضرر والتأثير.  ومع إدمان هذا السلوك، ينسحب التعميم على كل موقف سلبي يوجهنا، فنتعامل معه أنه خطر وضرر يجب مواجهته قبل أن يستفحل، مع أن هذا وهم يوجد في التفكير فقط وليس في الواقع.

وهذا التساهل والتجاهل للتقدير السليم لحجم الضرر، يجعلك دائما في استنفار دائم من كثرة السلوكيات والاحداث والاقوال التي تلقاها من الآخرين، باعتبارهم بشر الخطأ من طبيعة فطرتهم، وهذا ما يفسر أسباب دوام غضبنا وتوترنا وسوء أخلاقنا وقسوة ردود افعالنا، ودمار لكثير من علاقتنا ومصنع لإنتاج المشاكل والهموم مع مرور الأيام.

والمنهج السليم في ذلك هو أن تعطي لكل موقف قدره ولكل تصرف ما يناسبه ولكل حادث حديث، وهو ما يغيب عنا اليوم مع قلة الوعي وضعف الثقافة.

مبدأ التقييم (10 /10) /

يقول الدكتور خالد المنيف في مقابلة تلفزيونية وقد دار الحوار حول تقييم المواقف والحداث بطريقة سليمة، التي تجعلنا نتخذ القرار المناسب حيالها يقول ما معناه: كل حدث أنا أقيمه من عشر درجات، فالدرجة (1) تكون للتأثير الضعيف والضرر القليل، وربما يأتي ما هو أقل من الواحد. والدرجة (10) هذا الحدث الذي يمثل ضررا كبيرا وخطره بالغ وأثره عميق. وما بين الفئتين يتدرج التأثر والضرر بحسب الدرجة، وبناء عليها تكون ردة فعلنا حول الحدث.

وضرب مثالا فقال مشيرا الى كوب عصير على الطاولة: لو فرضنا أن هذا الكوب وقع وسال العصير على ثيابك، كم ستعطيه درجة من الضرر والتأثير، وبعد صمت، أجاب نفسه عن السؤال، أنه لا يستحق عندي ربع درجة بل أقل من ذلك. ثم يقول، (ما صار شيء)  نرفع الكوب ونقفل ملف القضية[1].

رغم بساطة المثل ووضوحه، ونتائج التقييم السليم وأثره في القرار السليم، إلا أنك تجد ثمرة هائلة من زوال ثورة الغضب وتوتر الاعصاب وردود الأفعال الحادة التي عادة ما تصاحب مثل هذه الاحداث، لاسيما اذا حصل الموقف بين جمع من الناس.

وألف “ريشارد كارلسون”[2] كتابا من أكثر الكتب مبيعا في العالم بعنوان: “لا تهتم بصغائر الأمور فكل الأمور صغائر”، وعنوانه الفرعي” وسائل بسيطة لمنع الأمور الصغيرة من السيطرة على حياتنا” ، هدف فيها الى توضيح الأساليب والطرق التي تجعل منك إنسانا هادئا، في حياة مليئة بالقلق وضغط الأعصاب.

ومن تلك الأساليب على سبيل المثال: ابحث عن أي قدر من الصحة في آراء الآخرين لامتصاص غضبهم.  ويقول : كنوع من المتعة اقبل أي نقد يوجه اليك وسوف ترى هذا النقد يبتعد عنك. ويقول: تخير أن تكون عطوفا على أن تكون محقًا، وغيرها.

وفي أنفسنا/

أحيانا تشغلنا توافه تأخذ مساحة كبيرة من تركيزنا وهي شكليات تؤثر على جودة أدائنا، مثل النقطة في ثوبك الأبيض، تخريب الريح لتسريحة شعرك، سوء الاستقبال أحدهم لك في مناسبة دعيت اليها وغير ذلك ، من التوافه، لكنها بالنشبة لك أمور يصعب تجاوزها لأنها (بزعمك) تقلل من قدرك وهيبتك ، وهو ما يتطلب إجراءات سريعة وردود مناسبة لاستعادة المجد المهدور.

لو طبقت عليها نفس مبدأ التقييم( 10 / 10 ) المذكورة آنفا لوجدتها جميعا لا تجاوز ( 2/ 10 ) يعني (  20%) ، ولو قارنت هذه النسبة مع ردود فعلك ومع أثر ذلك على اعصابك وعلاقاتك ، لوجدت أمرا مهولا.

تفعيل  حساس تقييم الأمور/

وكما تلاحظون أن تغيير التفكير في عقولنا، وطريقة تقييمنا للأحداث تجعلنا نقوم بردود الأفعال ، فتفعيل حساس التقييم السليم لمواقف والحداث والقوال والفعال، مهم للغاية في ردود أفعال سليمة تجعلنا اكثر راحة وهدوء وبعيدين عن التوتر والغضب وتدمير كل شيء يخالف مواقفنا.

يقول د. خالد المنيف في كتابه الشهير المرحلة الملكية[3] : “إن الشخص الذي يتعاطى مع توافه الأمور وصغائر الأحداث بتوتر وأفعال، يجني على نفسه جناية عظيمة؛ فهو أشبه ما يكون بالشخص الذي يفتت نفسه جزءًا جزء، ويسقيها السم القاتل قطرة قطرة، حتى يستيقظ في ذلك اليوم وقد أفنى روحه، واستنزف كل طاقته، وعرَّضها للانهيار الكامل؛ لذا فإن الثمن الباهظ لأسر تلك الصغائر هو حرمانك من سِحْر الحياة وجمالها والتمتع بطيباتها.

مواقف وتطبيقات /

  • كانت أم جميل أروى بنت حرب زوجة أبي لهب تسب نبينا عليه الصلاة والسلام بقولها:  مذمما  ( تقصد محمدا من باب السخرية  )  قلينا (تركنا)، ودينه أبينا (أي رفضنا ) ، فيراجعه الناس ليغضب على دينه وشرف مقامه فيقول ببساطة: إنها تسب مذمما  ولا تعنيني فإسمي محمد ا  ، هكذا دون تضخيم (عليه الصلاة والسلام).
  • ودخل عليه شاب يستأذنه بالزنى، فحاوره بكل هدوء ( ودون تضخيم ) مستشعرا الهدف الأعظم للدعوة قائلا :  أترضاه لأمك، قال: لا ، أترضاه لأختك، قال: لا ، أترضاه لعمتك قال: لا ، قال فكذلك الناس ( مثلك ) لا يرضونه لأهلهم فاقتنع الشاب  ودعا له الرسول وانصرف ولم يقرب الزنا.
  • ويوسف عليه السلام يقول عنه اخوته “أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل”، فلم يحرك ساكنا لأن هدفه الأكبر أخذ أخاه بنيامين، ولم يزد  على أ ن تمتم في نفسه: ( أنتم شر مكانا والله اعلم بما تصفون ) ومشت الأمور على ما يريد (دون تضخيم).
  • عمر ابن عبد العزيز (خليفة المسلمين) يمر برجل نائم في المسجد ويطأ على قدمه بالخطأ، فقام الرجل مذعورا ونهره بقوة قائلا : ” أمجنون أنت” فأجابه في الحال “لا،  لست مجنونا” وانصرف بكل هدوء و (دون تضخيم).
  • يذكر د. خالد المنيف في صفحته بتويتر أن أحد الحكماء لشخص مهموم: قائلا:  اهديك أهم قاعدتين في الحياة:  الأولى : لا تهتم لصغائر الأمور، والثانية : كل الأمور صغائر[4].  ولا ننس كتاب ريتشارد كارلسون، الذي مر معنا ذكره آنفا بعنوان : “لا تهتم بصغائر الأمور فكل الأمور صغائر”. وهذا يتناسب مع حجم الدنيا بالنسبة للآخرة في شريعة الإسلام.

أسباب  تضخيم الأمور/

ربما تعود أسباب التضخيم الى عدة أمور منها ما يأتي/

  • الجهل بحقائق الأشياء وعدم وجود منهجية للتقييم السليم، وهذا يولد ردود أفعال غير صحيحة.
  • إدمان الخطاء في التعامل معها حتى تصير عادات يصعب التخلص منها.
  • الخوف والوهم الذي يدفع صاحبه الى اخذ أقصى حيطة من الحذر دون تقييم سليم.
  • قلة الوعي بعدم التعلم كيفية التعامل مع هذه الظاهر والعادات الفكرية وغيرها.
  • الثقافة المجتمعية العامة المبنية على اتهام الآخرين وانتقادهم لمجرد أنهم بمرتبة أدنى منا، مثل الأبناء والزوجات والطلاب والعمال.
  • ضعف تقدرينا لذواتنا الذي يجعلنا غير واثقين من أنفسنا امام الاخرين.

 علاج  تضخيم الأمور/

  • ليكن الهدف من المعالجة هو الرغبة في ادخال السكينة والطمأنينة في نفوسنا، والتخلص من تضخيم الأمور بالخطأ، والذي يسبب لنا التوتر والقلق.
  • رفع الوعي من خلال التركيز بالقراءة والاطلاع على عدة مصادر في الموضوع، وخاصة في المراجع المشار اليها أعلاه، وغيرها.
  • تجنب الثقافة الخاطئة تجاه المحيط الذي نتعامل معه مع من دوننا ممن ذكرنا.
  • رفع مستوى تقديرنا لذواتنا وتعلم كيف نقدر ذواتنا ومتابعة بعض البرامج في ذلك.
  • تعلم كيف نتجنب الأوهام والتخوفات التي تسبب الاحتياط الزائد والإجراءات المشددة على النفس والأهل التي تذهب المتعة في الحياة.
  • التقييم الصحيح لحجم المشكلات التي تعترضنا بشكل دائم، بتطبيق مبدأ التقييم (10/10) .
  • اتخاذ القرار المناسب الموافق لحجم المشكلة المناسب في الوقت المناسب.

التمرين (6 ):  

  • اسم التمرين: ابتعد عن تضخيم الأمور، واعطها حجمها الطبيعي.
  • فكرة التمرين: لنتعلم جميعا خطورة التعامل مع الأحداث والأقوال والأفعال بغضب وعصبية ومن دون روية وتأني ، وتعلم طريقة  جديدة في التعامل معها توفر علينا السلام الداخلي والسكينة النفسية، لاسيما مع كثرة الأحداث لتي نمر بها في حياتنا اليومية.
  • هدف التمرين: الرغبة في ادخال السكينة والطمأنينة في نفوسنا، والتخلص من تضخيم الأمور بالخطأ، والذي يسبب لنا التوتر والقلق.
  • ويستهدف التعامل بالحسنى مع أنفسنا (أولا) ثم من يعيشون في محيطنا من أولادنا، أهلنا، طلابنا، موظفينا، أصدقائنا، جيراننا وغيرهم.

خطوات التطبيق/

حينما يمر بك أي حدث من قول أو فعل من الآخرين، وتحتاج أن تتخذ منه موقفا سليما ، فعليك القيام بالخطوات التالية:

1/ امسك اعصابك وكف عن الغضب والانفعال السريع غير المدروس (حاول أكثر من مرة وتغلب على عادتك العشوائية).

2/ انظر أسباب الحدث فقد يكون خارج عن الإرادة من الفاعل (وأكثر الأخطاء كذلك).

3/ لا تشخصن الأحداث فتعتبرها موجه ضدك بقصد الإهانة والتقليل من قدرك، فالأغلب يقعون بالخطاء طبعا ودون قصد.

4/ في الموقف ضع في حسبانك الأهداف التربوية الكبرى تجاه الآخرين، حتى لا تنحرف عن مسارها لمجرد الغضب والانفعال.

5/ قيم الاضرار والتأثير الذي حصل من جراء الحدث، وإذا احتجت استعن بمبدأ التقييم (10/10).

6/ اتخذ قرارك المناسب وكن رحيما منصفا مترفعا عن الظلم، ولا تنس أنك مسئول عن قرارك أمام الله وآثاره على الأفراد.

7/ الميل الى الصفح والتسامح ثمن تستحقه سعادتك وراحة بالك، خاصة إذا كانت الأمور (عوافي) ولم تحدث أضرارا كبيرة.

8/ تذكر ان العفو عند المقدرة من شيم الرجال الكبار ومن أهم اخلاق الكبار، وقد أمربه نبينا الكريم ومارسه عمليا يوم فتح مكة.

مواقف واقعية لتطبيق التمرين/

الموقف (1) :

 ولدك يمشي في الصالة يحمل صينية الأكواب، فسقط فجأة وانكسر بعض الأكواب وتلطخ السجاد الثمين.

التصرف الخطأ: الغضب والصياح، وإهانة الولد واتهامه بالتقصير، وتحميله مسئولية كسر الأكواب وتلطيخ السجاد، ثم اتهامه بانه فاشل ولا يصلح لشيء.

النتيجة:

  • ألم داخلي يعصر قلبه الصغير وعقدة نفسية قد تؤدي الى خلل في البرمجة السلبية لعقلية الطفل لتصاحبه طول عمره خاصة إذا تكررت مواقف مشابهة منك ومن أشخاص آخرين. فضلا عن شعوره العميق بأنك ظالم ولو لم يتجرأ على إظهاره الان
  • ألم نفسي في أعماقك حينما تراجع حساباتك وتكتشف مدى خشونتك وفضاضة قلبك، فتمسي حزين تتنهد لكن عزة نفسك تمنعك من الاعتراف وتصحيح الأمور.

التصرف الصحيح:

1/ حاول تمسك أعصابك وتترك الغضب (تمرن قد تجد صعوبة في البداية).

2/ انظر أسباب الحدث فقد يكون خارج عن إرادته (وأكثر الأخطاء كذلك)

3/ ضع في حسبانك أن سلامة الولد الجسدية والنفسية من أهدافك التربوية الكبرى، وهو مقدم على الأكواب والسجاد.

4/ احذر أن تشخصن الاحدث فتعتبر فعله عنادا لك أو عدم الاهتمام بكلامك.

5/ قيم الاضرار والتأثير الذي حصل على مستوى الأسرة من جراء الحدث.

6/ اسمع منه وارفق به، ولا مانع من تدريبه على كيفية تنفيذ العمل مستقبلا.

7/ اتخذ قرارك المناسب في ضوء التقييم السابق، بالإمكان تكليفه بتنظيف السجاد، وتنبيهه على الحذر والحرص والتركيز مستقبلا.

8/ النتيجة

1/ سلامة الولد النفسية، يشعر بالعدل وأنك كبير عن الظلم والجور، يتربى على العزة وليس على الإهانة فينشا نشأة كريمة).
2/  سلامة قلبك وراحة ضميرك واحساسك بأنك مربي ناجح وصاحب عقل راجح وقلب كبير، فتشعر بالسعادة والرضا عن الذات.

9/الأثر البعيد /

تربية سليمة، ينتجع عنها تفتح العقل على حبك والتعلم منك باعتبارك قدوة رحيم وحكيم.

/رضاك القلبي وسعادتك وراحتك النفسية

الموقف (2) : 

المدير يكلف الموظف بعمل لينجزه في المساء ويأتي به صباح اليوم التالي لأهميته، فاستعداه في الوقت المطلوب، فوجد انه لم ينجزه بعد.

التصرف الخطأ/ انفجر المدير على الموظف غاضبا وانهال عليه باللوم والتوبيخ، متهما إياه بالإهمال وعدم المبالاة بسمعة الشركة، والاستهانة بتعليمات المدير، ثم أمره أن يعود لمكتبه لينتظر العقوبة المناسبة. حاول الموظف أن يجد فرصة لشرح ظروف  طارئة حصلت له البارحة منعته من تنفيذ العمل، مع أنه لم يكن ناسيا، لكن المدير كان مقتنعا أنه يختلق الاعذار ليتهرب من المسئولية .

النتيجة / شعور عميق بالقهر والظلم، خاصة أن العمل كان خارج الدوام ، وأن المدير لم يتيح له الفرصة للدفاع عن نفسه،  وحينما حاول لم يصدقه، فانهارت روحه المعنوية، واتخذ قراره في نفسه لينتقم من المدير ومن الشركة.

التصرف الصحيح/

لو كنت في مكان المدير قم بعمل ما يلي :

1/ حاول تمسك اعصابك واترك الغضب (تمرن قد تجد صعوبة في البداية) مهما كان حجم المشكلة، فما من مشكلة إلا ولها حل، فلا تغلق الأبواب على نفسك وعلى الناس.

2/ انظر أسباب الحدث فقد يكون خارج عن إرادته (وأكثر الأخطاء كذلك).

3/ ضع في حسبانك أن المحافظة على معنويات موظفيك وكرامتهم من أهدافك التربوية الكبرى، ورضا العميل الداخلي (الموظف) الجيد مقدم على رضا العميل الخارجي ، اذا استحال الجمع بينهما، فيمكن تبديل العميل بسهولة بينما يصعب تبديل الموظف الكفوء لمجرد ظنون.

4/ احذر ان تشخصن الاحدث فتعتبر تصرفه عنادا لك أو عدم الاهتمام بكلامك، حتى تتأكد من ذلك.

5/ قيم الاضرار والتأثير الذي حصلت من جراء الحدث.

6/ تذكر أن الموظف صاحب حق كونك كلفته بالعمل في وقت راحته، وقبوله للعمل يحسب له من باب تقديم مصلحة الشركة على مصلحته الشخصية.

7/ حاور الموظف واترك له المجال للتعبير، ولا مانع من التوبيخ واللوم برفق مع مقدمة جميلة في الثناء على مواقفه السابقة، وأن هذه غلطة لن تتكرر إن شاء الله.

8/ اتخذ قرارك المناسب في ضوء التقييم السابق.

9/ النتيجة (الرضا عنك وعن الشركة، ورفع معنويات الموظف، وشعوره بالأمان الذي يستحق مزيد من التضحية، لا مانع من تدريبه على كيفية تنفيذ العمل مستقبلا فإنه سيقبل ولابد).

10/الأثر البعيد / تربية سليمة، ينتج عنها تفتح العقل على حبك والتعلم منك باعتبارك قدوة رحيم وحكيم.

الموقف (3) / موقف شخصي/

خرج ليؤدي تمرينه الرياضي المعتاد بممارسة رياضة المشي في حديثة الحي المجاور لسكنه، وبينما هو في طريق العودة وقد أنهي أكثر من ثلاثة ارباع الوقت اكتشف فجأة اختلاف في لون الحذاء الذي يلبسه، فقد أخذ زوجا مختلفا من زوجين متوفران معه. فكبر عليه الموقف جدا ، وكاد أن يذوب من الخجل وهو يفكر كيف سينظر اليه الناس، وبدأ بالالتفات يمينا وشمالا، هل يراه من أحد، فلم يرى أحدا، ورغم ذلك مازال محرجا ويكاد قلبه أن ينخلع، لكن لم يكن أمامه من خيارات غير استكمال المشوار.

التعليق/

هذه الأمور تحصل في العادة كثيرا معي ومعك ومع الجميع. ولو لوكنت مكانه لا تضخم الأمور مثله، واهدأ واستمع للتعليقات التالية:

1/ تذكر أن الناس لا يركزون مثلك، حتى أنت لم تركز على خطأك فما بالك بغيرك، اطمئن أكثر الناس لا يركزون على أخطائك حتى تنبههم أنت، فاتركهم دون تنبيه وتصرف وكأن شيئا لم يكن، أهم شي تقتنع أنت أن الأمور طيبة.

2/ تذكر أنك لست سيئا حتى تلوم نفسك وتخجل من تصرفك، فالأمر غلطة يمكن يقع بها أي أحد.

3/ لا تنس أهدافك الكبرى وهي صحتك النفسية، فلا تكثر عليها اللوم والخجل ولا تصب عليها غضبك وتوبيخك وتتهم نفسك بالتقصير وسوء التدبير فتهلك نفسك على شيء تافه.

4/ اذا قيمت الامر بمبدأ التقييم (10/10) تجد أنه لا يساوي شيء، فتجاهله، حتى اذا اكتشفك أحد لا تتفاعل كثيرا  وتصرف كأن شيئا لم يكن حتى لا تلفت الانتباه.

5/ مستقبلا ركز على ما تفعل، واستفد من الدرس عبرة للتركيز في عاداتك، مع أن الخطأ وارد في لحظة فذاك من طبع البشر، وكن مستعدا لمثل هذه المفاجأة.

مبادئ عامة وإرشادات/

يتبع


[1] – د. خالد المنيف ضيف برنامج الليوان مع عبدالله المديفر00000000000

[2] – ريشارد كارلسون، لا تهتم بصغائر الأمور فكل الأمور صغائر

[3] – المرحلة الملكية. د. خالد المنيف

[4] – حساب د. خالد المنيف بتويتر  https://twitter.com/khalids225/status/957859922108211201?lang=ar

من أجل سعادتك ، اضبط سقف توقعاتك (تمرين عملي)

مقدمة

الانسان خلقه الله ضعيفا، والنقص والعجز صفات مخلوقة فيه من أصل فطرته، والكمال المطلق هو لله وحده، والعصمة من الأخطاء تكفل الله بها للأنبياء وحدهم، ولم يتكفل بها لأحد من الناس، ومع ذلك، وتخفيفا عنهم ورحمة، راعت الشريعة ضعفهم ذلك، ووعدهم إن هم وقعوا في التقصير بأن يغفر ذنوبهم ويتوب عليهم إذا استغفروا وتابوا.

وقل مثل ذلك هذه الدنيا فهي مخلوقة على النقص والنكد والمتاعب والأحزان، ولم تخلق أصلا على الكمال ونهاية المتاعب والأحزان، فهي دار تحكمها قوانين الابتلاء والامتحان، وتقع ضمن أقدار الله ومشيئته الواقعة بين أسباب السعادة وأسباب الشقاء، وتجتمع فيها النعمة والمصائب، وقد يتمتع الإنسان زمنا طويلا، فإذا بكارثة تحل عليه تخلخل جميع توازناته وتربك كل حساباته وتوقعاته، سواء حصل هذا الموقف في الدنيا أو في الآخرة.  والآية تشير إلى هذا  المعنى: “الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا”.

ضبط هذا المبدأ مهم في سير الناس في طريق السعادة، واستحضاره في حياتهم ومعاشاهم وطبيعة قراراتهم وسلوكياتهم، أمر مهم للغاية، حتى يتعرفون على إمكانياتهم وقدراتهم الخلقية الطبيعية، وأن لا يتجاوزون تلك الحقيقة ويقفزون عليها، فيميلون أحيانا الى أنهم ذوي إمكانيات خيالية، ويجب أن يسير كل شيء على ما يرام فيتسببون بإرهاق أنفسهم وإرهاق من معهم في سفينة الحياة.

التفكير بهذه الطريقة مسلك خطير للغاية لأنه يسبب متاعب كبيرة ومتنوعة الكثير يجهلون أسبابها، مثل الذي يمتلك سيارة صغيرة (من أصل صناعتها) ويريد يحملها حمولة اعلى من قدراتها.  ومثل ذلك توقعاتنا في التحسن المستمر للظروف يجعلنا واقعون في المبدأ الإداري المشهور في التخطيط والذي يسمى “مبدأ عدم التأكد” وطرق الاستعداد له.

ونحن في برنامج ثمن السعادة نركز على تغيير طرق التفكير من الاتجاهات السلبية والعادات الفكرية الخاطئة الى طرق التفكير الإيجابية والعادات الفكرية الصحيحة.

الهدف/

  • تفهم المعنى الحقيقي لضعفنا وضعف كل من حولنا من الأهل والأبناء والموظفين والعاملين.
  • إدراك أن الجميع بشر يصيبون ويخطئون وليس أحد منهم معصوم وأن الخطأ جائز عليهم جميعا بدون استثناء.
  • إدراك أن العيب ليس في الوقوع في  الخطأ وإنما العيب عدم السماح للنفس باكتشافه و ما يتسبب في إنكاره وعدم الاعتراف به.
  • إدراك أن من الحكمة البشرية التي تناسب المشيئة الربانية، هي السماح للنفس باكتشاف العيوب والترحيب بها تمهيدا لمعالجتها، بدلا عن التضجر والانكار وادعاء الكمال، ولو بغير قصد.
  • إدراك أن من الحكمة والكمال (البشرية) الاستفادة من الخطأ والعيب بعدم تكراره، ثم محاولة تحسين الأداء .

سقف التوقعات:

هو كل ما نتوقعه من أنفسنا ومن أهلنا وأبنائنا، والذي يجب ألا يتصادم مع حقيقة النقص البشري الفطري، بل علينا أن ندخل ضمن حساباتنا أن الخطأ وارد من الجميع؛ آباء وأمهات وأبناء ومدراء وعاملين، ورؤساء ومرؤوسين، وأن الكمال عزيز لدى البشر، خاصة إذا بذل الانسان جهده المستطاع وترك التهاون والكسل الممنوع والمحذور، واستفرغ وسعه وفق المقدور.

أمثلة:

حينما يرفع الأب سقف توقعه بالطلب من أبنائه الحصول على أعلى الدرجات في الامتحان. فعلى الفور تعلن حالة الطوارئ في البيوت ويستنفر الجميع في بلوغ تلك الدرجة، وطبيعي أن تختلف قدرات الأبناء عن إخوانهم وعن زملائهم وعن جيرانهم، فكون الجار حصل درجات عالية، ربما تكون مواهبه وإمكانياته أعلى وأكبر، وقد يفتقدها الابن، ولذلك لن ترتقي نتائجه الى مستوى توقعات الأب ولن يستطع مجاراة جاره الموهوب. وهنا تعلن حالة الطوارئ مجددا في البيت وتبدأ سلاسل لا تنتهي من اللوم والعتاب، بل الشتم والسباب، والإهانة والعقاب. وقد عشت وسمعت وأدركت في حياتي أبناء انتحروا هروبا من هذه الممارسات الخاطئة والمسلك الخطير في التفكير.

مثال آخر /

المرأة ترفع سقف توقعاتها وتطلب من زوجها أن يوفر لها مثل زميلاتها وجيرانها أو مثل صديقتها العزيزة، وهنا تحل على البيت موجات من النقاش بين الإجابة والرفض والعتاب والحوار الحاد، قد تؤدي إلى التفكير بأساليب تزعزع سكينة البيت وقد تنهي الحياة فيه وتشرد الأبناء.

ويشتد الأمر حينما تترسخ القناعة عند المرأة أن سعادتها وسعادة أسرتها لا يمكن تتحقق بغير المستوى التي تعيش فيه زميلاتها وجيرانها، والأفضل أن تكون أحسن م الجميع.

ويشتد الأمر أكثر إذا كان مستوى الرجل لا يسمح بهذه المقارنة، أو أن لديه أولويات أخرى مثل التعليم والصحة ومشروع المستقبل الذي شغله ليعف الأسرة.

مثال آخر/

المدير يرفع سقف توقعاته فيطلب من الموظف تحقيق التميز في الأداء بما يرضي العملاء ويحقق الثراء للمنظمة من خلالهم. لكنه مقابل ذلك لم يبذل الوسع في اختيار الأكفاء من الموظفين، ولم يؤهلهم على المهام التي تناسب حجم التحدي الذي تواجهه المنظمة.

وفي ظل هذه الطوام من العجز المؤسسي المصاحب للقصور البشري، يستمر المدير بالصراخ بأعلى صوته أن “لا يتميز علينا أحد”، وهنا تبدأ معاناة الجميع من صرخات المدير ونظراته القاتلة وتعليماته الصارمة، منطلقا من معاناته وتخوفاته من انتقادات العملاء، وخشيته من نظرات الأقران ورفاق الحياة.

ولذلك نقول أنه مهما اجتهد الموظفون دون مقومات التميز العلمية المدروسة، فلن يبلغوا ذلك، بل عند حصول التقصير(المتوقع أصلا)  يبدأ مسلسل البحث عن الضحية الذي زعموا أنه المتسبب بكل هذه الويلات للمؤسسة، ولن يكون غير الموظف.

خفض سقف التوقعات:

خفض سقف التوقعات لا يعني ترك المطالبة لأبنائنا وزوجاتنا، ولا يعني ترك مطالبة الزوجة في تحسين مستوى معيشتها، ولا يعني ترك مطالبة المدير من موظفيه التميز والمنافسة، فليس هذا هو المقصود من خفض سقف التوقعات. إنما المقصود ربط قرار التميز بتوفر الإمكانات الذاتية لدى الافراد، والموضوعية في البيئة المحيطة، وفي أساليب قيادتنا وطرق تقييمنا للإمكانيات واتخاذ القرارات المتناسبة مع تلك الإمكانيات.

فان كانت الإمكانيات عالية والبشر مؤهلون بما فيه الكفاية فلترتفع سقوف التوقعات، وإن لم نفلح  في بلوغ السقف المطلوب نعيد النظر في تقييم الإمكانيات والأساليب ثم نعالجها حتى نتأكد أن رفع سقف توقعاتنا أصبح ممكنا.

خفض سقف التوقعات يعني أن لا تكلف الناس بما لم يكلفهم الله، ولا تطلب منهم ما يصعب عليهم، ولا تطلب منهم ما تعجز عنه (أنت وأمثالك)، ولا تطلب منهم مالم تبذل جهدك في الإعداد والتهيئة له.

خفض سقف التوقعات لا ترك مطالبة ولدك التميز، مالم تكن أنت  نعم العون والمشجع والمحفز له، فاذا اكتشفت بعد كل هذا أنه عجز جسديا أو عقليا، فاخفض سقفك الى مستواه وقم بعلاجه قدر ما تستطيع، وحمله مل يطيق.

اخفض سقف توقعاتك الى مستوى إمكانيات زوجتك، فإذا رغبت في رفع السقف فعليك أولا برفع الإمكانيات لديها .

من الخطأ في التفكير:

  • أن تطلب من الناس نتائج لم تبذل جهدا في الوصول اليها، فلا تتعب، لن يصلون.
  • أن تقارنهم بزملائهم أو إخوانهم دون مراعاة الفروق الفردية بين البشر، فغير المؤهلين قطعا لن يصلون.
  • أن تقارن زوجتك بنساء العالمين، وأنت لم تبذل الوسع في الاختيار والتربية والتعليم، فلن تصلون.
  • أن تطلب من موظفيك المنافسة والمناطحة في عالم الكبار ولم تزودهم بقرون المناطحة، وأقصد بها:  قرون مواصفات اختيارهم المتناسبة مع أعمالهم، وقرون التأهيل المستمر للمستويات المطلوبة، وقرون توفير المناخات التشجيعية والتحفيزية ماديا ومعنويا، وقرون حسن قيادتك وإنسانيتك وحسن تقييمك وأسلوبك في حل مشكلاتهم.

خطوات تنفيذ التمرين:

  1. تعرف على امكانياتك وامكانيات من معك (زوج زوجة ولد بنت -عامل – موظف…) ولو تحاول أن تتعلم أبسط الخطوات في ذلك من أفلام اليوتيوب.
  2. تعلم حتى تصل إلى قناعة ويقين بقول الله تعالى: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) و (لا يكلف الله نفس الا ما أتاها)، و تعلم كيف تتصرف بناء على هذه القناعة.
  3. من اليوم، لا تحمل نفسك ما لا تطيق (اضبط سقف توقعاتك مع نفسك) .
  4. من اليوم لا تحمل غيرك ما يطيقون (اضبط سقف توقعاتك تجاه من معك).
  5. إذا ترغب في رفع سقف توقعاتك أنت ومن معك، عليك أن تتعب كثيرا بالإعداد من خلال التعليم والتمرين، عندها ستتحسن الأمور بشكل ملحوظ وسريع بقدر اخلاصك واجتهادك.
  6. لا تتوقعين إن ابنتك ستكون (ست بيت ناجحة) دون تعب وتعليم وتمرين.
  7. ولا تتوقع أن يشاركك ولدك هموم الحياة دون تعليم وتمرين.
  8. ولا تتوقع أن العامل لديك سوف يحسن أدائه دون تعليم وتمرين.

خلاصة مبادئ ضبط سقف التوقعات.

1/ التوقعات تعني النتائج التي تنتظرها بفارغ الصبر بعد الأوامر الحاسمة بالجد والاجتهاد، سواء لنفسك أو لأهلك أو لأولادك أو لموظفيك ومن معك.

2/ لا ترفع السقف فوق الإمكانيات الممكنة فتعجزون.. ولا تخفضها أدنى من القدرات الممكنة فتفشلون

3/ يجوز أن ترفع سقف توقعات بلا حدود في الظن بالله وطلب رضاه والجنة (مع الجد في العمل) كما جاء في الحديث الصحيح:” إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى”.

4/ لا تتوقع أن سيارتك الصغيرة تتحمل حمولة قاطرة (فتقضي عليها)، قم بخفض سقف توقعاتك الى مستواها، فإن أبيت فراجع مستواك في الإدارة.

5/  واجب عليك رفع سقف التوقعات إذا كانت لديك قاطرة وتراودك أفكار بتحميلها حمولة سيارة صغيرة، فإن هذا هو العبث ، مالم يحمل لوثة فساد .

6/كلما رفعت سقف توقعاتك فوق مستوى قدراتك وقدرات من حولك كلما توترت الاعصاب وكثرت المشاكل وحل الإحباط محل التفوق (المتوقع).

7/ وكلما خفضت سقف توقعاتك أدنى من مستوى قدراتكم كلما حلت البطالة والتواكل والكسل ويصبح الجميع عالة على الجميع.

8/ ارفع سقف توقعاتك من ابنك الذكي الموهوب، واخفضها مع ولدك الضعيف العاجز الضعيف ، فإنهم لا يستوون، والظلم جور والعدل حكمة.

9/ لا ترفع سقف توقعاتك لمجرد ان من حواليك متفوقين فربما بذلوا أكثر منك، وارفع توقعاتك إذا بذلت أنت وتعبت وأحسنت التربية والتوجيه والقيادة، وستكتشف الإمكانيات وتديرها صح.

انتهى التمرين 3

« المواضيع السابقة Recent Entries »