الإدارة بالحب!!

بسم الله الرحمن الرحيم

الإدارة بالحب !! 

تمهيد :

حتى لاتفهموني خطأ . وحتى لاتذهبوا بعيد

فانا لا اقصد الحب الذي اشتهر على ألسنة وأفكارالكثير من الناس من التبذل والهوى والغرام، غير المباح، والذي تولى كبره الشيطان الرجيم ، وأعوانهمن دعاة الرذيلة وسوء الأخلاق.

أنا اقصد الحب المشروع ، إكسير الحياة وبلسم جراحها، وسر حلاوتها وغلاها ، ذلك المعنى السامي الشريف الذي لاتقوم الحياة السعيدة إلا بمقومات مهمة، ذلك الحب احدها.

الفكرة :

 ربط مفهوم الإدارة بمفهوم الحب وبيان كيف أن الحب (أصل غير منصوص عليه من أصول الإدارة)

ابسط مفهوم للإدارة :

هناك مفهومان مبسطان لمعنى الإدارة ، وهما :

  • تنفيذ الأعمال من خلال الآخرين
  • تحقيق الأهداف بأعلى كفاءة واقل كلفة وأسرع وقت

والسؤال الذي يناسب الموضوع :

هل للحب دور في جعل الآخرينينجزونأعمالهم بأعلى كفاءة واقل كلفة وأسرع وقت ؟

بمعنى آخر:

هل نستطيع أن نجعل الآخرين  يقومون بتنفيذ التكاليف التي عليهم بكل تفاني وإخلاص، من خلال عنصر المحبة ؟

دعوني أبحر معكم في هذا المعنى وننظر هل فعلا هذه قاعدة مطردة ؟

وهل هذا يصلح أن يكون منهجا في إدارةالآخرين لتنفيذ الأعمال؟

 أم أن كل ذلك ترف فكري وإثارة للجدل ليس إلا ؟

فأقول مستعينا بالله :

بادئ ذي بدء

الحب ، والمحبة معنى نفسي روحي مغروس في أعماق النفس البشرية مخلوق معها ، وجزء من تركيبتها الوجدانية العاطفية، لايستغني الإنسان عنه ، ولابد من ممارسته تماما كما يمارس عملية التنفس والأكل والشرب ، فلابدللإنسانأن يحب ولابد أن يكره طالما هو إنسان وليس آلة أو حيوان.

مع اعتقادي أن الحيوانات لديها قدر من المحبة لبني جنسها ولاادري هل الحيوانات لديها  (حب ) أم (رحمة )

وطبيعي أن كل إنسان يمارس هذا الشعور بطريقته الخاصة وبمفهومه الخاص، وقد يصيب في ذلك وقد يخطئ لكنه في الأخير يعتقد انه يحب ويكره ، ولا يستطيع ممارسة الحياة الطبيعية بغير ذاك.

ولا أظنأن بشرا سويا يستطيع أن يعيش من غير أن يحب ويحب (بكسر الحاء في الأولى وفتحها في الثانية )

كيف ستكون حياته من غير حب ؛ قهر وقسوة وظلم وبطش وغضب ومشقة وشقاء وضنك وهلم جرا من سيل المعاني التي خلاصتها غاية البؤس والنكد

إنها معاني قد يصاحبها الهوس والجنون والكدر والهلوسة

بينما الإنسان السوي ، بنور الحب تشرق الحياة في عينية ، وتضيءالآمال سواد لياليه

 فهو يتقلب بين نعيمين؛ نعيم الحب للآخرين، من الأهلوالأحبابوالأصحاب والخلان والأولاد والزوجات والأقاربوالأرحام وسائر الناس الذين هم عباد الرحمن

ونعيم تبادل الحب وجني ثمرات من كل هؤلاء ،الذين أغدق عليهم من فيض محبته ومشاعره الحانية الممتلئة بالرحمة والمودة والحنان ، فهو سعيد في نفسه، سعيد مع غيره ، فيصبح آمن في سربه، معافى في نفسه، ومستريح البال بين أهله وعشيرته وسائر أبناء مجتمعه، فيأمن مكرهم ويغلق أبوابا مؤكدة وشديدة من مكرهم وشرورهم.

فيورثه هذا سعادة في نفسه وراحة في حياته تشرق معها ابتسامته العريضة الجميلة ليضيء بها جوفه ووجدانه وينير بها وجهه وكيانه ، ويشع بها سعادة لجلسائه وأعوانهواقرأنه ،وخلطائه وشركائه.

ومع ذلك( عدادالحسنات) يجري بلا توقف من كثرة التبسم في وجوه الآخرين، فما الذي يوقفه، وصاحبه لا تخمد جذوة السعادة في أعماقه، نتيجة لوقود المحبة الذي يحمله في كل لحظات عمره وحياته.

انه يحقق بهذا المعنى مقصدا شرعيا تساهل به الناس في هذا الزمان، وشانه والله عظيم

فهل يستطيع إنسان (سوي) أن يعيش حياة سعيدة من غير هذا المعنى الكبير،أنا اشك (والله )

حب من نوع آخر:

إن اكبر من ذلك إن يعيش الإنسان متقلبا في حب من نوع أخر له دلالات اكبر مما ذكرت وله مقامات غير التي شرحت، وله اثر محقق ومؤكد في حياةالإنسان وواقعه، وفي دنياه وأخراه

انه الحب لله ، والحب في الله

الهي:

فليتك تحلو والحياة مريرة …… و ليتك ترضى والأنام غضاب

وليت الذي بيني وبينك عامر … و بيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين … و كل الذي فوق التراب تراب

لقد تحقق لدى القائل مقام الحب لله حتى تضائل معه حب من سواه، وتمنى حب الله ولو غضب الآخرون ، ونحن نستطيع أن نحقق مع حب الله ، الحب في الله ، وهو حب من يحبه الله

وأعلى واجل مايحبه الله ، من الناس؛النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا

ومن الأشياء، هذا الدين العزيز والهدي القويم والصراط المستقيم ، والذي حمله القرآن الكريم ،الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم ) ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين ، تنزيل من رب العالمين.

فما علاقة مصطلح الإدارة بالحب :

الرجاء لاتستعجلون، لأني ابني أساس الفكرة في أذهانكم ، حتى تعلمون أهمية الموضوع

لذلك أرجع فأقول

طالما عرفنا الإدارة بأنها:تنفيذ الأعمال من خلال الآخرين ، أو تحقيق الأهداف بأعلى كفاءة واقل تكلفة وأسرع وقت، فلننظر في بعض التطبيقات العملية التي تجلي الأمر وتضح المقصود.

أولا : الحب وإدارة شئون الأسر والبيوت :

هل يستطيع الرجل في بيته أن يدير أسرته بغير الحب

إذا قرر باني البيت ورب الأسرةأن يمارس منهج الحب في إدارة شئون البيت، فستحل مشاعر الرحمة والكرم والتربية الحميدة الفاضلة الناشئة عن قلب رحيم يملؤه الحب والوفاء وحب الخير والسعادة لأفراد أسرته الغالية ،  حينها ستتزاحم مشاعر الرضا في نفوس أفراد الاسرة، فتراهم يسارعون ويتسابقون في (مبادلة الحب بالحب ) ردا للجميل ، انطلاقا من القاعدة القرآنية، والحقيقة الشرعية:  (هل جزاء الإحسانإلاالإحسان)

وحينها يأمرهمفيستجيبون وينهاهم فيطيعون، بكل إخلاص ومحبة وتفاني.

لقد قضت  المحبة  على كثير من أسباب الشقاق والنزاع والانحراف بين أفراد العائلة

و ساد عنصر التوجيه والترغيب بدلا عن القسوة والترهيب في امتثال الأوامر واجتناب النواهي

والعكس صحيح:

إذا انعدم عنصر الحب في البيت ، فستحل الغلظة والخشونة والقسوة، محل اللين والمودة والرحمة ،

وحتى تسير أمور البيت ولا تتعطل شئون البيت ، لابد من استخدام أساليب غير محببة تجاه الأفراد ، وسيضطر الوالد  معها – آسفا – لاستخدام، القسوة والشدة والحرمان، وقد تتطور الأمورإلى استخدام وسائل (غير أخلاقية ) من الشتم والسب والتجريح ، وربما ساءت الأحوال وتدهورت الأوضاعإلى أحوال لايعلم عواقبها إلا الله.

إذا لعلنا اتفقنا ، أن البيوت حين تدار بالحب أفضل من إدارتها بغير الحب

إشكال :لكن سيرد علينا هذا الإشكال :

هل يعني أن الرجل لايستخدم القسوة والشدة في بيته ، لتقويم السلوك ومعالجة الانحراف؟

الجواب نعم ، يمكنه ذلك ولكن بشروط ، منها :

–         أن لا يكون هذا الأسلوب هو الأصل ، وإنما يستخدم وقت الضرورة فقط ، ثم يعود إلىالأصل ، وهو استخدام عنصر الحب في أسلوبالإدارة، إذا زالت الحاجة.

–         أن لايكون القصد الانتقام والانتصار للنفس أوللرأي وان خالف الحق والشرع والواقع

–         أن لايحمل نكهة الاستعلاء  واستخدام النفوذ واستضعاف أفرادالأسرة التي ولاه الله إياهم، لا لمقصد تعليمي تربوي وإنما فرض وجود وإذلال وقهر

فإذا كان الأمر كذلك حينها سيتحقق مايلي:

–         لن يستنكر أفراد العائلة تغير الأسلوب حال إرادة ولي الأسرة اللوم أو العقاب، لأنهم على يقين انه خلاف الأصل في التعامل ، وإنما دفعه إلى ذلك شدة الحرص، والرغبة في المزيد من المصلحة لأفراد العائلة والخوف عليهم من الضياع أو الانحراف أو من الوقوع في خطر أو محذور.

–         عند شعورهم بهذه المعاني سيرتفع رصيد الحب ، ويذعنون للتوجيهات (القاسية ) النابعة من العوامل المذكورة، بنفوس راضية مطمئنة، وان خالف ذلك هواهم.

–         عند شعورهم بذلك سيشعرون أنهم في أمان وسيتحقق قدر كبير من الرضا يجوب أعماق النفوس يثمر عن استسلام تام لكل رغبات الوالد، لأنهم على يقين أن كل فعل لابد أن يكون نابع عن حب ومصلحة للجميع.

و سبحان الله الذي احكم كل شيء :

إنهذا السر في مشروعية القصاص من قتل النفس بالنفس وجلد أو رجم الزاني وقطع يد السارق، وسائر الحدود الشرعية، إن الغاية من ذلك المصلحة التامة للناس وان كان على حساب أفرادا معدودين ، بل انه يصب في كمال محبة ومصلحة الأفرادالذين طبقت عليهم تلك الحدود، لأنه سيكون  تطهيرووقاية لهم من كربأعظم وغم اكبر ، انه العذاب الأبدي السرمدي في نار جهنم والعياذ بالله، فاي الغمين والكربين يفضل هؤلاء لو كانوا يعلمون.

من اجل ذلك كان المذنبون يتسابقون إلى رسول الله (صلى الله وعليه وسلم ) ليطهرهم من ذنوبهم بإقامة الحدود الشرعية مهما بلغت قسوتها، لأنهم علموا أنها نابعة من كمال المحبة وتمام مصلحتهم الدنيوية والأخروية، فتأمل هذا الأمر ستتفتح لك آفاقرحبة من معاني المحبة.

وفي ذلك يقول الله تعالى :  ( ولكم في القصاص حياة يا أوليالألباب لعلكم تتقون ) أنها حياة حقيقية للمجتمعاتلأنها نابعة من كمال الحب والمصلحة للناس ولوكره المجرمون والمذنبون والمفرطون

إذن لعلنا اتفقنا أن الحب أصل عجيب في إدارة شئون الأسر والبيوت

ثانيا: الحب وإدارة المنظمات والمؤسسات والشركات :

تأملت كثيرا خلال رحلتي مع علم الإدارة في عنصر مهم يجب على المدراء والمشرفين والمنفذين وسائر المتعاملين مع العنصر البشري مراعاته وتفهمه لأنه سر من أسرار نجاح المدير والقائد في إدارة أفرادهم.

وهذا العنصر مصب وخلاصة لكل تصرف أو فعل مقصود أو غير مقصود من المدراء والمشرفين

وهو أحيانا لا يحتاج إلى أموال طائلة من اجل تحقيقه ، فقد يتحقق بمجرد كلمات حانية أو لفتة مودة وحنان من المشرف

هذا العنصر أصل حماس العاملين لتحقيق الانجاز المطلوب ، وانعدامه أو ضعفه سيؤثر بطريقة مخيفة للغاية على إنتاجية العاملين

ذلك العنصر العجيب هو الذي يسمى في علم الإدارة (بالرضا الوظيفي )

انه الرضا عن المدير والإدارة والمشرفين والمؤسسة

هذا الرضا هو الذي يجب أن يسعى المدراء لتغذيته باستمرار والحذر من التلاعب به،لأنه سيسبب العنصر السلبي المقابل وهو (الإحباط)

إنالإحباط عكس الرضا تماما ،و هو نتيجة من نتائج عدم الرضا، وإذاتمكنالإحباطمن  النفوس فلنتتحمس للقيام بأداءالإعمال بكفاءة أعلى وتكلفة اقل ووقت أسرع.

وقد تنجز الأعمال ولكن لا نضمن الكفاءة العالية والتكلفة القليلة والوقت الأقل.

إن المدير الموفق هو الذي يفقه هذه المسألة من خصوصيات السلوك الإنساني، فيتعامل بمسئولية عالية مع ذلك الرضا فينميه ويرعاه ، فإذا به يجد فريقا متآلفا ،وأعمالا منجزة، وحينها يستطيع أن يراهن على الجودة العاليةوالإنتاجية المرتفعة والتكلفة المنخفضة والوقت الأسرع .

وبغير ذلك سيكون أصعب شيء عليه الوصول حتى إلىاقل النتائج المرضية

معادلة مهمة :

رضا  مع المزيد والمزيد من الرضا سيؤدي إلى الولاء الوظيفي (ويعني شدة الحب مع تعصب أحيانا للمحبوب)وذلك يؤدي إلى التعاون والذي يؤدي بدوره إلى التضحية والتفاني من اجل المؤسسة

فإذا بلغ العامل هذه المرحلة حينها يصير العملبالنسبة له متعة وراحة وتسلية،وأولوية لا يفضل عليها شيء، ويقدمها على كل أحد ، فيؤدي عمله كمهمة ورسالة، وليس مجرد وظيفة، وحينها ينسى وقته ويضحي بجزء من ماله ووقته من اجل المؤسسة التي رضي عنها وتولاها.

لعلكم اقتنعتم معي بأهمية الرضا الوظيفي في العملية الإدارية وانه أصل وأساس انجاز الأعمال ومنشأ الرهان على الجودة والتكلفة المنخفضة والسرعة والإنتاجية العالية

هل تعلمون أن الرضا هو ثمرة من ثمرات الحب

إن الحب الحقيقي هو وحده الذي يحقق ذلك الرضا

ليس الحب المزيف ولا الأنظمة الجامدة والهياكل الجوفاء،ولا الإجراءات الإدارية ولا لوائح العقوبات الصارمة، هي التي تصنع ذلك الرضا

إنالرضا إحساس (حساس) ، يصنعه الشعور العميق بالمحبة والحرص على مصلحة العامل الذي يفني عمره وشبابه في هذه المؤسسة

إن الرضا ثمرة من ثمرات تقدير الذات للعامل وإشعارهبأهميتهوإنسانيته، وانه صاحب قيمة ووزن لدى المتنفذين في مؤسسته

إن الرضا ثمرة من ثمرات الشعور بالعدل التام البعيد عنالميلإلى المجاملة والمحسوبية

كل هذه المعاني تولد صورا عديدة من صور محبة العاملين وإرادة سعادتهم ومصلحتهم،  فإذا تيقنوا من ذلك حينها يتحقق رضاهم ، وحينئذ ينجح المدير وتنجح المؤسسة في إدارةإفرادها لتحقيق أهداف المؤسسة

ثالثا: لولا محبة الله ما طابت الحياة ولا استرخص المؤمن كل نفيس في سبيل الله: 

محبة الله تعالى من اجل المعاني في هذه الحياة، فلولاها ماتعبد المتعبدون ولازهد في الدنيا الزاهدون ولاجاهد المجاهدون وسفكوا دمائهم وتركوا ديارهم وأوطانهم ورضوا باليسير من الحياة الذي يسد رمق العيش

إن محبة الله أملالآملين وسعادة المؤمنين وقرة عيون الموحدين ،إنهم يسعون ليوم ينظرون فيه إلى وجه خالقهم العظيم، وان يسمعوا ندائه الكريم ، ياعبادي بقي عندي لكم موعدا أريدأنأنجزكموه ، وهو أن احل عليكم رضواني فلا اسخط عنكمأبدا.

إنها لحظة الولادة الحقيقية للمؤمنين ، لقد ضحوا بالكثير من اجلها منهم من فارق الأهل والعشيرة ومنم من ترك المال والعيال، ومنهم من قتل ومنهم من شرد، وكل ذلك هين من اجل محبة الله ورضوان الله الحكيم الحميد

السؤال ، ماعلاقة هذا الأمر الشرعي الديني بالموضوع المطروح

إن العلاقة تأتيمن صدق المحبة بين العبد وربه، فكلما تغلغل هذا الحب وبلغ مداه وغايته، استسهل العبد في سبيله كل المشاق وتضاءل معه كل كبير، وهان معه كل عسير، لم يبق إلا شيء واحد يملأ حياته ووجدانه هو حب الله والرضا عنه وقبول أعماله

لذلك فهو في اشد الخوف ألا يتقبل الله منه، فتجده يضحي أكثر ويعمل اكبر ويخلص اشد،أملاأن يتقبل الله منه

أماإذاأساء فلا تسل عن بليته ومصيبته ولا تفتش عن حرقته وعظيم حزنه وألمه، انه خائف أن يطرده مولاه ويسخط عليه ولا يبالي به ،ولايقبل توبته

أماإذاأعطاه شيئا من أمور الدنيا ومناصبها فتراه يتقلب بين الشكرالجزيل والدعاء العريض، بان يرزقه شكرها وان لايخصمها عليه من النعيم المقيم في الجنة دار الخلود

هكذا يفعل الحب بالعباد العاملين ، وتلك طريقة الزهاد الراكعين الساجدين ، لأنهم علموا سر التعامل مع العليم الخبير، وعلموا حبه لهم ومنته عليهم ورزقه غير المنقطع عنهم، فهو يكلؤهم بنعمه وفضله، لايصعد منهم نفس إلابأذنه ولايعود إلا بفضله، ولاتطرف عين إلابإرادته

إنهم مهما بذلوا من عمل صالح لن يستطيعوا أن يوفوا ربهم حقه من الشكر والعبادة

فعوضوا ذلك، بحبه وحب كل من يحبه، وبذلوا مايستطيعون من العمل الخالص (جدا ) لعله ينميه ويتقبله بفضله وكرمه

إذن :

هل يصلح أن يكون الحب الذي استعرضنا بعضه، منهجا للإداريين والقادة أن يقودوا بذالك عمالهم وموظفيهم

تأملوا هذا ستجدون الجواب ظاهر كالشمس في رابعة النهار

انه منهج وطريقة تصلح لان تنجز فيها الأعمال بكفاءة عالية وتكلفة اقل ووقت أسرع، والذي سبق أن اتفقنا معكم أنها هي تعريف الإدارة

 

رابعا : الحب أعظم منهج مارسه النبي (صلى الله عليه وسلم) مع أصحابهوإتباعه:

كل المؤمنين يعرفون أن الله وصف نبيه في كتابه الكريم بصفتين من صفاته، وهما صفتي الرأفة والرحمة، قال تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم )

وأدبه ربه بآداب مهمة هي الوسيلة المثلى في قيادة البشر ، وهي قوله تعالى :  ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فضا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهموشاورهم في الأمر)

وكل مؤمن يعلم شدة محبة النبي (صلى الله عليه وسلم ) لأصحابه ، وشدة حرصه على هدايتهم طمعا منه في أن يرضى الله عنهم فيدخلهم الجنة

الأعجب انه (صلى الله عليه وسلم ) حريص ومحب حتى للمشركين وحتى على أهل الكتاب ، كما ثبت في سيرته العطرة من علاقته وحرصه على هداية عمه أبي طالب ، وشدة فرحه حينما اسلم ذلك الشاب اليهودي قبل موته، فخرج من عنده فرحا مسرورا وهو يقول : ( الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)

الهي:

ألهذا الحد، يصنع الحب بأصحابه؟

ألهذا لحد، يكون الحب بدون حدودإلا حد واحد ، أن يبذل للجميع يما يحقق مصلحتهم وسعادتهم وبما يحقق رضا مولاهم وخالقهم عنهم.

كيف كانت الثمرة من ممارسة منهج الحب في حياة النبي (صلى الله غليه وسلم ):

هل كان لدى النبي (صلى الله عليه وسلم ) لوائح ونظم اخضع الناس بها من اجل طاعته؟

أم كان لديه حرسا خاصا وأعوانأقوياء يأطرون الناس على تلبية أوامره ونواهيه؟

كلا ، لم يوجد هناك إلاأمران اثنان :

الأول : قيم حميدة سامية حملها القرآن الكريم فتشربها قلب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ،حتى فاضت على لسانه وجوارحه.

والثاني: قلب مملوء بحب الخير (كل الخير) حتى للمخالفين ، حب حقيقي بلاتصنع ولامجاملة ولاتزلف، وإنما منهج حياة يمارس على ارض الواقع، ويبذل للجميع بلا حدود إلا ما يغضب الله تعالى.

الثمرة :

أحبهالأعداء قبل الأصدقاء

كل من سمع بهاورآه يحبه حبا عظيما ، كلام آسر، قلب بالحب نابض ،وجه مشرق محب دائم التبسم، رحيم ، ودود.

إلى درجة انه لم يقل لخادمه طيلة عشر سنوات عن شيء فعله لم فعلته وعن شيء لم يفعله لم لم تفعله

هذا شأنه مع خادمه (انس) فما الظن بأدبه مع سائر الناس.

لقد جرب احد الصحابة حظه مع النبي (صلى الله عليه وسلم ) حينما لاحظ انه كان يحبه حبا عظيما ، حتى ظن انه لايحب أحدا من الصحابة أكثر منه ، فتجرأ ذات يوم فسأله، من أحب الناس إليك يارسول الله ، فقال بتلقائية عجيبة ، وبصدق وثقة ، تنم عن شخصية فذة ، قال : ( عائشة ) قال ومن الرجال ، كان ينتظر أن يجد جوابا يؤكد له الخواطر التي تجوب في جوفه، لكنه فوجئ بجواب أكثر صراحة وبساطة : (أبوبكر) قال ثم من قال (فلان ) غيره، فتوقف عن السؤال معلقا (خشيت أن لايذكر اسمي أبدا ) طبعا لكثرة من يحبهم النبي بصدق، أكثر من هذا الصحابي ، وهو يشعر انه أحب الناس  إليه.

هذا الصحابي هو عمرو بن العاص (رضي الله عنه)

لقد اكتشف أنأحباب النبي غيره كثير جدا، لكنه اكتشف أيضا انه يحب الجميع حبا كبيرا حتى يظن الظان انه مايحب أحدا سواه

انه منهج حياة

لذلك كان إذاأمرهمأطاعوهوإذا نهاهم عن شيء اجتنبوه

لقد بلغهم أمرا ربانيا بكلمات يسيرات ، كان هذا المر يتعلق بخصلة متأصلة في حياة الناس في ذلك الزمان ، إنها خصلة وآفة شرب الخمر

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ )المائدة 91

قال الإمام ابن كثير في تفسيره:

قال الإمام أحمد: حدثنا يحيي بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كَعْب، وسُهَيْل بن بيضاء، ونفرًا من أصحابه عند أبي طلحة وأنا أسقيهم، حتى كاد الشراب يأخذ منهم، فأتى آت من المسلمين فقال: أما شعرتم أن الخمر قد حرمت؟ فما قالوا: حتى ننظر ونسأل، فقالوا: يا أنس اكف ما بقي في إنائك، فوالله  ما عادوا فيها، وما هي إلا التمر والبسر، وهي خمرهم يومئذ.أخرجاه في الصحيحين -من غير وجه-عن أنس

 وفي رواية حماد بن زيد، عن ثابت، عن أنس قال: كنتُ ساقي القوم يوم حُرّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضيخ البسرُ والتمرُ، فإذا مناد ينادي، قال: اخرج فانظر. فإذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت، فَجرت في سِكَكِ المدينة، قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فَأهْرقها. فهرقتها،

وقالأيضا :

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بَشَّار، حدثني عبد الكبير بن عبد المجيد  حدثنا عباد بن راشد، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: بينما أنا أدير الكأس على أبي طلحة، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسهيل بن بيضاء، وأبي دُجَانة، حتى مالت رؤوسهم من خَليط بُسْر وتمر. فسمعت مناديًا ينادي: ألا إن الخمر قد حُرّمت! قال: فما دخل علينا داخل ولا خرج منا خارج، حتى أهرقنا الشراب، وكسرنا القلال، وتوضأ بعضنا واغتسل بعضنا، وأصبنا من طيب أمّ سليم، ثم خرجنا إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } إلى قوله: { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ }

وماقصة تحول الكعبة عنكم ببعيد :

قال ابن كثير في تفسيره :

حدثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى قبلَ بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان يعجبه قبلته قبل البيت وأنه صَلّى صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن كان يصلي معه، فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: أشهد بالله لقد صَلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكَّة، فداروا كما هم قبل البيت

انظر العجب لم يتوقفوا حتى يتأكدوا من الخبر ولم يتوقفوا حتى تتم صلاتهم ، لقد داروا وهم في الصلاة جميعا الإمام والمأموم ، فريق واحد (إن صح التعبير)

أي شيء هذا إنها الطاعة العظيمة لله ولرسوله ، انه الإخبات والإذعان ،

ترى كيف تولدت هذه المعاني،

لقد تولدت نتيجة لتربية النبي الخاتم، التي كان أبرز صفاته، الحب العظيم والحرص على مصلحة الناس ، حتى عرف هذا عنه وعلم صدقه في ذلك،

حينها انقادت له الناس ودخلوا في دين الله أفواجا

خاتمة:

أيها المدراء أيها المربون أيهاالآباءأيتهاالأمهاتأيها الزعماء والقادة والوزراء والأمراء،

هذا هو شأن الحب، وهذا شانه العظيم في كيف يجعل الناس ينفذون كل ماتريدون بمحبة وطواعية بل بشغف ورضا

نحن لانمانع من استخدام الأنظمة واللوائح، لاضير في ذلك بل إنها من ضرورات العمل المؤسسي

ولانمانع من استخدام الآلات والتقنيات الحديثة، بل هي بدهية من بديهيات المؤسسة العصرية

إن كل هذه تساهم في انجاز الأعمال بوتيرة عالية

لكنها لاتمنح الحب والوفاء واحترام المشاعروالنفوس

إن الذي يمنح كل ذلك هو انتم

أنتأيهاالإنسان  بما حباك الله من قدرة لاتوجد لدى الأجهزة والمعدات والأنظمة والقوانين

إنها بيدك أنت وستكون رهن إشارتك وطوع بنانك

 لكنها فقط ستنفعك متى ماقررت أن تمارس الحب في طريقة إدارتك للناس

حينها سيتحقق لك من انقياد الناس لك فوق ماكنت تتصور وتريد.

جربوا هذه الوصفة العجيبة، تنجحوا

ودمتم سالمين ///

هموم في حياة معددي الزوجات

بسم الله … والحمد لله … والصلاة والسلام على رسول الله

أعلم أن الموضوع مثير للجدل

لأنه يمس هموم في نفوس الكثير من الرجال الذين يريدون التعدد في الزوجات، ومثلهم كثير من النساء ممن يعتبرن أنفسهن ضحية لهذا التعدد.

إذا أردنا مناقشة المسألة فان الأمر يطول بين المادحين والذامِّين

عشت مع الكثير من الناس يحلمون باليوم الذي ينامون فيه بين أكثر من حضن دافئ ويتمتعون بالميزة التي ميز الله بها الرجال عن النساء.

وعشت مع آخرين يخافون من التعدد خوف الحمل الوديع من الذئب الجائر المفترس، لا لشيء ولكن لأنه لا يروق للست (أم العيال) حفظها الله.

لذلك تراهم يلتمسون الأدلة والتبريرات التي ما هي – بنظري –  إلا مجرد ذر للرماد على العيون ولو أعطوا (منهن) الحرية ما ترددوا أبدا في الإقدام عليه.

وسمعت وعايشت الكثير من النساء ممن زرع الله في قلوبهن الخوف العظيم من التعدد حتى أن بعضهن تعتبر التعدد بمثابة الإعدام لها ولأولادها.

ولم اسمع من النساء مرحبات في التعدد إلا اللهم نزر يسير بعدد الأصابع ممن شرح الله صدورهن لفهم المقصد الشرعي من وراء هذا الأمر المهم جدا.

الموضوع جد ساخن و حقه أن يكتب في زاوية القضايا الساخنة في المنتديات المختلفة.

وحسب ظني أن كل قارئ منكم في نفسه الشيء الكثير الذي يريد قوله حول موضوع تعدد الزوجات ، من الرجال والنساء، حتى الشباب والشابات ، سواء بالمدح أو الذم، بحسب الخلفيات والمنطلقات التي يراها هؤلاء القراء.

وبناء على ما سبق لدي بعض الخواطر التي أراها قد تفديكم في الرد على الكثير من تساؤلات الإخوة والأخوات:

1- التعدد أمر الله في القرآن وهدي النبي الخاتم سيد ولد عدنان (عليه الصلاة والسلام).

2- التعدد المطلوب والمرغوب هو الذي يصاحبه العدل، ظاهرا وباطنا، واعني بذلك أن الإنسان قد يميل إلى امرأة ويهمل الأخرى، ويبدأ بجمع الأدلة والمخالفات عليها حتى يبرر هذا الميل، مع أن هذا لا يليق ، فالواجب عليك العدل بما تستطيع وإلا فلا حاجة للتعدد إذا خشيت من الجور، فالله تعالى يقول ( وان خفتم إلا تعدلوا فواحدة)، فلا داعي للتكلف طالما وجد شعور بالخوف من عدم العدل.

3-  من الأسرار وراء بغض النساء لموضوع التعدد، تلك الأمثلة السيئة للغاية التي وقعت في زمن معين، عاصرت بعضها ، حيث أن بعض المعددين مالوا تماما إلى الزوجات الأخرى، وتكرر هذا كثيرا ، حتى صاروا أمثلة سيئة واتخذهم المجتمع حجة وذريعة لإبطال هذه السنة النبوية الكريمة، مطلوب من العارفين التعبد لله بتغيير هذه النظرة لدى المجتمع.

4- من بعض مقومات الراغب في التعدد (غير العدل) سعة الصدر لان مشاكل النساء كثيرة بطبيعتهن الضعيفة ونظرتهن القاصرة وغيرتهن القاتلة، فلو لم يرزقك ربي قلبا واسعا وجسدا على البلاء صابرا ، فما حاجتك لإدخال نفسك في متاهات من الصراع لا قبل لك بها.

5- ومن بعض مقومات الراغب في التعدد السعة المالية لان التعدد يحتاج إنفاق على بيتين وأولاد من الجانبين، غير الرغبة في الحصول على أكبر قدر من مالك وجهدك ووقتك من الجانبين إلا إذا حلت عليك رحمة الله متمثلة بنساء أو على الأقل واحدة منهن تقدرك وترحمك وإلا فالويل لك.

6-  السر وراء بغض النساء للتعدد- والعلم عند الله – ما غرس في النفوس من تبغيض النساء في الطلاق والتعدد، حتى كانت تردد شعارات عشنا أيامها ولا ندري ما ورائها، ومنها ( يا رفيقة لا تخافي من طبينة أو طلاق….) إلى آخر مما تعرفون أكثر مني.

7- أخطر سلاح تواجه المرأة به زوجها المعدد إذا حقدت عليه، هو سلاح خطير ومدمر للغاية، وعدم التعامل معه بذكاء سوف تكون عواقبه وخيمة،

انه سلاح الأولاد حينما يخضعون لتعبئة مكثفة وخطيرة ضدك وضد من تعول من الجانب الآخر، فيتكهرب الجو من حولك وأنت لا تدري أي شقاء حل عليك وأي بؤس نزل بك،بسبب رؤيتك لأولادك وهم ينفرون عنك ولا يقدرونك حق قدرك مع إنك العائل الوحيد المنفق عليهم.

8- ومن أخطر ما يواجه المعدد مسألة لا يكاد ينجو منها احد، ولو نجا منها أحد لنجا منها الظالمون في باب النساء، أما الذي يبتغي العدل فانه لابد أن يقع في هذا الأمر ، فهو ملازم للتعدد ولابد، إلا بحل واحد مجرب من بعض الإخوة.

هل تدرون ما هو هذا الأمر المهم؟  انه التشتت،

فلابد أن تشتت في أفكارك وأعمالك وكتبك وملابسك، وتفاصيل صغيرة في حياتك، مثل نظارتك ،وحذائك ، وفي وبرنامجك اليومي، من أين تبدأ ، وأين تنتهي ،وكيف توفق بين مواعيدك ، وضيوفك وسفرياتك وأماكن حلك وترحالك.

كلها مسائل لا يعقلها إلا المعددون، ويفاجأ بها الكثيرون إلا من هداهم الله لحل هو من أصعب الحلول وهو جمعهن في بيت واحد، وهو أمر في غاية الصعوبة إلا عند الموفقين أو من لدية مهارات خيالية في إدارة النساء.

وهناك حل اقرب وابسط جمعهن في بيتين متجاورين  ) للغاية ) بحيث تستطيع أن تلحق على بعض تفاصيل أغراضك الدقيقة إذا نسيتها في بيت احداهن، فلا يفوتك الوصول إليها بأقل الخسائر وأقل الأوقات وأقل قدر من سوء الظن والاتهامات غير الواقعية .

وعندي من الكلام الكثير أحببت فقط أن أنبه إخواني إلى أن أمر التعدد ليس بالأمر السهل ولكنه قرار مهم وخطير يريد دراسة (جدوى) بتأني وحرص شديدين ، وإلا فان العواقب قد تكون وخيمة، نسال الله العافية

وأشير في الختام ، إلى أن الموضوع قد حصل حوله جدل كبير بين مؤيد ومعارض ومداخلات من قبل الرجال والنساء ، يمكنكم الرجوع إلى ذلك في منتديات الموسوعة اليافعية ، على الرابط:

http://www.y1f3.net/showthread.php?t=336

ودمتم سالمين///

إنها أزمة أخلاقية !

   بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله … وبعد

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت …. فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 تمهيد :

نلاحظ أن الأمة في وقتنا الراهن تعاني من ضعف أن لم يكن انعدام في القيم والأخلاق على كافة المستويات، فهناك أزمة أخلاقية بين الحكام والمحكومين ، والرئيس ومرؤوسيه، وبين المدير والعاملين، وبين المعلم وطلابه،  وبين التاجر والمشترين، وبين الرجل والمرأة وأولاده وأرحامه وجيرانه.

تأملت في العصر الذي بعث فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فلاحظت أمرا عجيبا، هو أن أكثر الناس لم يكن لديهم دينا ينظم حياتهم، لكن كانت عندهم منظومة من مكارم الأخلاق، مثل الصدق والأمانة والوفاء بالعهود والعقود والكرم والنجدة وغيرها، وقد توارثوها كابرا عن كابر، فصارت ثقافة تتناقلها الأجيال وتعتز بها، وينتقصون من لا يقيمها بل يعيرون من لا يلتزم بها، حتى  أحجم أبو سفيان أن يكذب على النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما لاحت له فرصة يريد أن يطعن بعرضه من خلالها، أو يشوه سمعته كخصم لدود، أحجم عن ذلك حتى لا يؤثر الناس عنه كذبا، وكان حينها على الكفر ولم يؤمن بالله تعالى بعد.

وكان احد أسباب بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم- أن يتمم تلك المكارم ويربطها بالدين، ومعنى الإتمام هنا ، الاستكمال والإصلاح لأمر أصله موجود لكن طرأ عليه بعض النقص ، فكانت إحدى أضخم مهام النبي  – صلى الله عليه وسلم- أن يكمل وينظم تلك الأخلاق ويرفعها إلى مقام الشعائر التعبدية التي يتقرب الناس إلى الله بها، ووعدهم بالثواب العظيم عليها، وتوعد بالشر المستطير لكل من مارس مساوئ الأخلاق، إلى درجة انه صح عنه – صلى الله عليه وسلم- انه قال :

– ” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه )  وفي رواية لمسلم : (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الْجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ”

 

–         وقال : ” غفر لامرأة مومسة مرت بكلب على رأس ركي (بئر)  يلهث، قال: كاد يقتله العطش فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك”

–         وقال أيضا :  “دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ” ،  وحينما سألوه : فقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا فَقَالَ “نَعَمْ فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ”

وكلها أحاديث صحيحة في البخاري ومسلم

هذا الأمر اوجد أرضية يمكن أن يتخاطب بها النبي مع قومه، حتى يوصل إليهم ما يريد، ويحتمي بدعوته من بعض شرورهم ، قبل أن يعتنقوا الدين الجديد، بل انه أوجد بيئة يمكن التعايش فيها بين المسلم وغير المسلم بما يأمن كل واحد على نفسه وعرضه، ويبلغ فيه دينه، وبالمقارنة مع عصرنا،  وخاصة في بعض مجتمعاتنا العربية والمسلمة، انعدم عند الكثير كلا الأمرين، فلا دين يلتزمون به فيرجعون إليه، ولا قيم وأخلاق تحمكهم حتى يستطيع الناس التعايش بالاعتماد عليها.

وقد أثمرت تربية النبي – صلى الله عليه وسلم- لأصحابه الكرام، وفهموا عنه مقاصد ربهم، فأقاموا الدين الذي عماده التوحيد وإقامة الشعائر التعبدية ،ثم القيم الحميدة والأخلاق الإسلامية الحسنة، التي أكملها النبي – صلى الله عليه وسلم- فيهم، فلا غرابة أن يقول عمر – رضي الله عنه – “والله لو عثرت دابة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها لمَ لمْ تمهد لها الطريق يا عمر” ، ولا غرابة  أن يموت جميع الجرحى في إحدى الغزوات وشربة ماء واحدة تدور بينهم، بدأت من أولهم ورجعت إليه ثم إلى إخوانه من بعده، ولكن بعد أن فارقوا جميعا الحياة، وهم أحوج ما يكونون إليها لإنقاذ حياتهم، لكن خلق الإيثار منعهم من ذلك ، والصور المشرقة من تاريخنا العريق كثيرة ومتعددة.

وبالمقابل ، تأملت في المجتمعات الغربية، فوجدت أنهم يتعايشون (فيما بينهم ) بقواسم مشتركة من القيم ومكارم الأخلاق، وهي ما يطلقون عليه “مبادئ حقوق الإنسان” إلى درجة انه لا يمكن تصور أن يهان منهم فرد في مجتمعهم أو خارجه وفيهم عين تطرف، فتقوم الدنيا ولا تقعد حتى يأخذوا الحق له، صغيرا كان أم كبيرا ذكرا كان أم أنثى، ليس ذلك فحسب، وإنما الحقوا بهم من يحمل جنسياتهم من غيرهم.

واخبرني قريب لي عاش زمنا طويلا في إحدى تلك البلدان، بل قد تواتر لدي النقل في ذلك ، أن نظام تلك البلد يقضي أن لكل فرد الحق في الحياة الكريمة، وله الحق أن يأكل ويشرب ويتعالج ويعيش مكرما في بلده، على حساب حكومته، فان كان من القادرين على العمل، دفع ضرائب للحكومة نسبة معلومة من دخله، وان كان عاطلا، التزمت الحكومة بدفع ما يكفيه من معاش حتى يدبر نفسه بعمل، ولو قضى عمره كله على تلك الحال.

 وأعجب من ذلك أن تلك الدول ترعى أناسا من غير جنسياتهم ،عاشوا فيها منذ زمن عمالا، ولما كبروا وعجزوا عن العطاء والعمل، أحيلوا على المعاش التقاعدي، والحقوا بهم زوجاتهم، فيدفعون لهم معاشات شهرية بما يكفيهم، حتى يتوفاهم الله، وتأتيهم  بتلقائية عجيبة، دون الحاجة إلى كثر إلحاح أو مطالبة أو مماطلة ، وهناك حالات (كثيرة ) وقفت عليها بنفسي.

نلاحظ انه حتى لو لم يوجد دين ، فتوجد قيم وأخلاق، على الأقل يستطيع الإنسان أن يعيش حرا كريما، لا يهان ولا يبخس حقه، فضلا عن أن يظلم أو تؤخذ الحقوق التي هي أصلا ملكا  له، وقد استحقها، فضلا عن أن يعتدى على حقه أو يغتصب ملكه، وأنا أتكلم عن ظواهر وقواعد عامة وقوانين نافذة وسارية المفعول، تعيشها أمم وشعوب، ولا أتكلم عن حالة أو حالات فردية أو جماعية.

مع التحفظ الشديد على انعدام خلق العفاف وسياسات الدول الغربية تجاه المسلمين، فلديهم أزمة أخلاقية حقيقية، وانحرافات خطيرة، لاسيما في سياساتهم الخارجية، فإنها تبنى على قاعدة المصالح، لكني اعني الحديث عن سياساتهم الداخلية تجاه رعاياهم ، وكل من اقروا له بحق الرعاية.

واليوم وفي هذه القرون ، قد داهم امة الإسلام خطر كبير وشر مستطير، وهو  انهيار منظومة الأخلاق التي دعا لها ديننا الحنيف ، وقررتها الفطر السليمة حتى في الأمم الكافرة والشعوب الجاهلية، فظهر شر ذلك على كل المستويات ، واستفحلت وتعمقت حتى صارت أزمة حقيقية، تعاني منها الأمة.

في تقديري إن هذا من اكبر المصائب والنكبات التي ابتليت بها الأمة، وباب شر فتح عليها، دخلت عليها منها سائر الشرور، مصداقا لقوله تعالى : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وقد قرر فقهاؤنا رحمهم الله تعالى، حقيقة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله : “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة إن كانت مسلمة” ، وقالوا :  “الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام”.

أنها منظومة الأخلاق التي ذكرت لكم وعظيم أثرها في بقاء أو زوال الدول والأمم والشعوب.

تعريف الأخلاق :

أقصد بالأخلاق القيم أو المثل المحترمة والمستقرة في الفطر السليمة التي خلق الله عليها الإنسان وكرمه بها وقررتها الشرائع السماوية ، وهي التحلي بكل الفضائل، وتجنب كل الرذائل، وتنقسم إلى قسمين :

 الأخلاق الحسنة: وهي التي تجمع في محتواها شتى صنوف الفضائل من كريم الصفات و طيب الأفعال.

والأخلاق السيئة:  وهي عكس الحسنة ، وتجمع في محتواها شتى صنوف الرذائل و قبيح الأفعال.

 ومن أمثلة الأخلاق الحسنة،  العدل والصدق والكرم والعفة والحياء والتواضع والشجاعة والإيثار والحلم والضمير والوفاء بالعهود والعقود.

وأضدادها بالترتيب ؛ الظلم والكذب والبخل والخسة والفجور والكبر والجبن  والأنانية والغضب وانعدام الضمير، الغدر ونقض المواثيق.

تعريف الأزمة الأخلاقية :

يعرف بعضهم الأزمة بأنها: “النقص الحاد في عامل من العوامل ما يؤدي إلى نتائج مدمرة، تهدد القيم العليا والأهداف السامية للمجتمع” .

وعلى ذلك ، فالأزمة الأخلاقية معناها نقص حاد في القيم والأخلاق، على مستوى الدول والمجتمعات والإفراد، مما  أدى إلى نتائج مدمرة تهدد القيم العليا والأهداف السامية في المجتمع .

 

الأسباب الكامنة  وراء الأزمة الأخلاقية :

قد يتساءل قائل ، لماذا ساءت أحوال المسلمين، واشتدت عليهم المحن والابتلاءات ؟ ولماذا أصبح المسلمون هدفاً للأعداء ؟

والجواب: قد قرره النبي – صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه من حديث  ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-  قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم-:

” يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ قَالَ قُلْنَا وَمَا الْوَهْنُ، قَالَ حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ”

أخرجه احمد وأبو داؤود وصححه الألباني، وحسنه شعيب الارناؤوط ، فنخلص من هذا الحديث بثلاث نتائج:

الأولى:  أن حب الدنيا وكراهية الموت هي سبب لكل بلاء ومصيبة وقعت في الأمة، وما أصيبت بالذل إلا نتيجة للذنوب والمعاصي، ونتيجة لحبها للدنيا وكراهيتها الموت.

 

الثانية: تغلغل وتجذر حب الدنيا في النفوس نتج عنه غياب الأخلاق الحسنة بين الناس، وانتشار ظاهرة الأخلاق السيئة، فغاب التراحم والنجدة فيما بينهم ، وظهر الكبر والاستعلاء على الناس وفشت فيهم صنوف غريبة من سوء الأخلاق .

 

الثالثة :  تولدت الأزمة الأخلاقية واستفحلت، بسبب عدم الخوف من الآخرة ونسيان الموت وما بعده من عذاب القبر أو ثوابه، ونسيان الحساب والجنة والنار، فصار أكثر الناس لا يخافون الله ولا يستحيون منه، واستطاعوا أن يخدعوا الناس ويتلاعبون عليهم بكل سهولة، مما شجعهم على ممارسة المزيد من أصناف الأخلاق السيئة، وهم يظنون أنهم يحققون انجازات كبيرة، يستحقون الاحترام والتقدير عليها، خاصة في ظل سكوت الصالحين، وتشجيع المنتفعين .

وسبب الأسباب في ذلك جهل الأمة بدينها الناشئ عن غياب أو تغييب دور العلماء ( بقصد أو بغير قصد ) عن توجيه الأمة، فتسلط على قرارها ومقدراتها، الجهلة فلا هم أداروا شئون الحياة بالمنهج الشرعي السليم الذي ارتضاه الله تعالى للبشرية، ولا ساسوها على الأقل بمنهج الفطرة السوية في مراعاة الآداب المرعية والأخلاق العامة، فضلوا وأضلوا.

بعض مظاهر الأزمة الأخلاقية :

سأعرج على بعض المظاهر التي نعيشها جميعا – كأمثلة – على مستوى تدني الأخلاق في كافة مستويات المجتمع ، إلى المستوى الذي يمكن اعتبار انه أزمة حادة، ولا يعني ذكر هذه المظاهر، انه لا يوجد أناس يحملون القيم والأخلاق الحميدة، فهم لا يزالون موجودون في كل مجتمع إلى قيام الساعة، لكن القصد الكثرة والغلبة الغالبة من الأمة الذي وصفه الله تعالى بأنهم (قوم ) أي العدد الأكثر من المجتمع .

فمن تلك المظاهر، ما يلي:

مظهر 1 : انتشار ظاهرة الكذب وغياب الصدق في الحديث إلا عند القليل ممن رحم الله ، وقليل ما هم :

أصبح كثير من الناس يزينون الكذب .. ويلونونه ، تارة بالأبيض والأسود .. وهو كله كذب في كذب ، أو خداع في خداع ، يبغضه الله ولا يحبه،  والله تعالى يقول : { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين } ، والرسول – يقول عن المنافق : ” آية المنافق ثلاث … وذكر منها؛ إذا حدث كذب ] والحديث متفق على صحته بين البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه).

والعجيب أننا جميعا إلا من رحم الله، نتساهل في هذا الأمر، خاصة في المزاح ، وقد علمنا أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-  كان يمزح لكنه كان لا يقول إلا حقا، بمعنى انه لم يكن يكذب قط حتى ولو كان مازحا، ووعد بالجنة من ترك الكذب ولو كان مازحا، فهل سنطيعه في ذلك، وأين بني قومنا من هذا السلوك القويم.

 

مظهر 2 :  غياب الوفاء بالوعود والعهود ، وقلة الوفاء بالمواثيق والعقود:

وظهور ما يسمى باللف والدوران،  وبعضهم يسميه شطاره وذكاء، وهو بالحقيقة حرام في حرام الله، ويبغضه الله ولا يحبه.

والله تعالى يقول : { إنه كان صادق الوعد }، ويقول : { يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود }،           ويقول : { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا }، ويقول : { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } .

ويقول الرسول – صلى الله عليه وسلم- :  (آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) رواه البخاري ومسلم، وفي زيادة عندهما ( وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر).

مظهر 3 :  انتشار ظاهرة خيانة الأمانة في الأموال والأعراض:

فتجد كثيرا من الناس لا تأمنه على شيء ، لا مال  ولا عرض، ولا حتى تأمنه على الكلام والأسرار، وبعضهم  يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ عنك كما يروغ الثعلب .

والله تعالى يقول :{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به ، إن الله كان سميعا بصيرا}.

والرسول – صلى الله عليه وسلم-  يقول في الحديث السابق : [ آية المنافق ثلاث … وذكر منها؛ وإذا اؤتمن خان ]، ويقول : [ وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة ] . صححه الألباني ، ويقول : [ المكر والخديعة والخيانة في النار ] حسنه الألباني.

مظهر 4 :  الغش في البيع والشراء ، وظهور الاحتكار ورفع الأسعار ، بقصد المشقة ، وكثرة التربح على حساب المسلمين:

والله تعالى يقول : { إنما المؤمنون أخوة } ، والرسول يقول : [ الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ] . حديث صحيح ، و يقول : [ من غشنا فليس منا ] ، صحح إسناده شعيب الأرناؤوط .

 

ويدخل في معنى الغش ، وهو من أخطره:  غش الطلاب في الامتحانات من أجل النجاح الكاذب، لنيل المستويات العلمية الزائفة والحصول على الشهادات المزورة.

وأكبر من ذلك حينما يساهم المعلم والمربي وربما مدير المدرسة، في (تغشيش) الطلاب، رحمة بهم (زعموا)، وأحيانا يكون بمقابل مالي يدفعه الطلاب.

فماذا يريد هؤلاء ؟ هل هذه تربية للطلاب على الفضيلة أم على الرذيلة ؟ إننا بذلك نخادع أنفسنا، ونغش ديننا ووطننا، ونخادع أجيالنا، ونحسب أننا مهتدون، والأمر يتخذ بعدا أكثر خطورة حينما تمارس المؤسسات التربوية في المجتمع هذا النوع من التربية، فأحسن الله عزاء هذه الأمة المقهورة.

 

مظهر 5 :  انتشار عقوق الآباء والأمهات :

 

كثير من الناس فرطوا في هذا الجانب إلى درجه كبيره، حتى سمعت أن بعض الناس لا يزور والديه إلا بالشهر أو الأسبوع ، زيارة عابرة،  وبعضهم يسب أباه وأمه ، وبعضهم يضربهم والعياذ بالله.

والله تعالى يقول : { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقلهما قولاً كريما ، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيراً } ، فمن أين تأتي رحمة الله، إذا لم نرحم الأبوين، خاصة عند الكبر .

ومن الناس من يسلط زوجته عليهما، أو يسكت عن أخطائها تجاههما ، أو يطيعها ويلبي طلباتها أكثر من والديه، وبعضهم يتلطف معها ويتودد لها ويحفظ عهدها وودها وود أهلها، من العم والعمة وحاشيتهما  أكثر مما يعمل مع أبويه، ونعوذ بالله من الخذلان، وانعكاس الإفهام، وفساد الموازين.

 

مظهر 6 :  انتشار ظاهر قطيعة الأرحام وهجران العمات والأعمام والأخوة والأخوات وسائر الأهل والأقارب والأرحام:

 

حتى ظهر مثل عند الناس يقول : ( احذر من الأقارب فإنهم عقارب ) أي عقارب تعنون وتقصدون؟ والله تعالى يقول :{ وآت ذا القربى حقه ،والمسكين، وابن السبيل } ويقول تعالى :{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين  والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم ، إن الله لا يحب من كان مختالاً فخورا }.

 

مظهر 7 : انتشار الحسد والحقد والغل بين المسلمين :

 فلا تكاد تجد أحد يفرح لنعمة أخيه ويبارك له من قلبه ، بل تجد أكثرهم يبارك بلسانه وقلبه مليء بالغيظ على نعمة الله التي أنعمها على عبده .

وبعضهم وهم كثير – لا كثرهم الله – يتمنى زوال النعمة عن إخوانه والله تعالى يقول :{ قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق } إلى آخر السورة، والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول :” ولا يجتمعان في قلب عبد الإيمان والحسد ” حسنه الألباني.

 

مظهر 8 : انتشار ظاهرة أكل أموال الناس بالباطل :

عن طريق الرشوة  واغتصاب الحقوق، والسطو على أموال المساكين والأيتام والضعفاء،ربما عن طريق السرقة  أو الاحتيال، وبإتباع كل وسيلة حرام تؤدي إلى ذلك.

والله تعالى يقول : { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس با لأثم وأنتم تعلمون }، ويقول تعالى :{ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً أنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا }، ويقول تعالى : { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله بكم رحيما }، والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : [ كل جسد نبت من سحت فالنار أولى به ] . صححه شعيب الارناؤوط

 

مظهر 9 : انتشار ظاهرة شهادة الزور :

وأسهل شيء اليوم الشهادة الكاذبة أما لصالح شخص أو ضد شخص ، وهو أمر خطير نظرا لأثره البالغ في انتهاك الحقوق والحرمات .

والله تعالى يقول : { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور }، ويقول : { والذين لا يشهدون الزور ، وإذا مروا باللغو مروا كراما }،والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول :  (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قالوا بلى يا رسول الله قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وجلس وكان متكئا، فقال:  ألا وقول الزور، وما زال يكررها حتى قالوا ليته سكت  ) قال الشيخ الألباني : صحيح

مظهر 9 : الحلف بالأيمان الكاذبة لإحقاق باطل أو إبطال حق:

وأحياناً يتم الحلف بالطلاق زوراً وبهتاناً ، وما أكثر الذين يحلفون بالحرام والطلاق، وأقل شيء فيه كفارة يمين، عن كل مرة حلف بها.

والله تعالى يقول : { واحفظوا أيمانكم }، ويقول تعالى : { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم }، وقد ذكر بعض أهل التفسير أن معناها : تجنيب اسم الله كل شيء حتى لا يتعرض للمهانة .

ويقول تعالى : { يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك }،والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : [ من الكبائر الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وقتل النفس ، واليمين الغموس ]

ويقول [ وما حلف حالف بالله يمين صبر ، فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا جعلت نكته في قلبه إلى يوم القيامة ] . حديث حسن .

 

واليمين الغموس :هو الذي يقتطع به الرجل أموال الناس بالباطل، وسمي غموسا لأنه يغمس صاحبه في النار إلا أن يتوب توبة صحيحة بشروطها المعروفة.

 

مظهر 10 : التهاون بالصلاة : والتهاون بأمر الله ونهيه:

     – فترى المساجد خاوية على عروشها ، خاصة صلاة الفجر ، والناس إما في نوم أو لهو أو غفلة ، والمنادي ينادي .. حي على الصلاة .. حي على الفلاح ، وكأن المقصود ، أناس من كوكب آخر ، ولسنا نحن معاشر المسلمين.

والله تعالى يحذرنا من ذلك ويقول : { ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أضيفوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله ، قالوا : إن الله حرمها على الكافرين ، الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا ، فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا ، وما كانوا بآياتنا يجحدون }، ويقول تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين }.

ويقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – :[ أثقل الصلاة على المنافقين العشاء والصبح ]  حديث صحيح

لكن، ما علاقة الصلاة بالأخلاق الحسنة ؟

إن للصلاة تأثيرا كبيرا في حياة المسلم ، من حيث انه إذا حافظ على الصلاة في أوقاتها ومع جماعة المسلمين ، يتهيأ له المناخ الملائم ليكون دائم التذكر لقدرة الله وعظمته، فينمو خوف الله في قلبه، ويعظم حياؤه من الله، ويكفي في ترسيخ هذا المعنى  قول الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ).

 

مظهر 11 : غياب خُلُق التراحم بين المسلمين:

فترى الزعماء لا يرحمون شعوبهم ، وأكثر الرجال لا يرحمون نسائهم ولا أبنائهم، والمدراء وأصحاب الأعمال لا يرحمون عمالهم وموظفيهم، والأطباء اليوم لا يرحمون مرضاهم، والمدرسون اليوم لا يرحمون طلابهم، والجيران لا يرحمون جيرانهم، والتجار لا يرحمون زبائنهم وعملائهم، والموظفون لا يرحمون مراجعيهم فيعقدون قضاياهم ومعاملاتهم، إلا من رحم الله وقليل ما هم.

والسبب في كل ذلك : أنه قد اهتز في القلوب خلق عظيم ؛ أنه خلق الرحمة ، والله تعالى يقول : { فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فضاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك }، ويقول تعالى : { إنما المؤمنون أخوة } .

والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : [ مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم ، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضواً تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ]، ويقول  : [ من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ] . حديث صحيح

فمن أين تأتي لنا الرحمة ونحن بأيدينا نغلق أبوابها، ونمنع نزولها، وإنما كانت رحمة الله مشروطة بالتراحم بين عباده .

مظهر 12 :   عدم توقير الصغار للكبار وعدم عطف الكبار على الصغار:

فتجد سوء الأدب من الأطفال على كبار السن، تقابلها سوء معاملة وقسوة من الكبار، سبحان الله حتى لاحظت أن الأب الرحيم والأم الحنون وحتى المدرس في مدرسته ، والمعلم في حلقته ، في اغلب معاملتهم للأبناء، تخلو من العطف والحنان بل تجد الغالب الأعم هي القسوة والغلظة، وشتى أنواع الإهانات والشتائم، وكل ذلك  تحت شعار (تربية الأبناء) حتى ظهر لنا جيل فاقد المشاعر، ضعيف المسئولية قليل التمسك بأصول التعامل الأخلاقي ومبادئه ، وما ذاك إلا نتيجة حتمية لما يغرسه المربون في أجيال الأمة المقهورة.

والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : [ من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا فليس منا ] .

ويقول : [ من لا يرحم لا يُرحم ، ومن لا يغفر لا يُغفر له ] . حديث صحيح

 

مظهر 13 : الكبر والغرور :

 فالكبر بلاء وشر، والتواضع نعمة وخير ، وهو خُلق الأنبياء والصالحين، والتكبر يؤدي إلى الافتخار بالنفس الأمارة بالسوء واحتقار الآخرين، والكِبر يغضب الله ، لأنه هو وحده الكبير المتكبر سبحانه وتعالى ولم يأذن لأحد من عباده بالتكبر على عباده بالباطل.

قال تعالى : { ولا تمشِ في الأرض مرحا ، إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا }، وقال تعالى : { ولا تصعر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحا ، إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور } .

والرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : عن رب العزة والجلال : ” العز إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما عذبته” صححه الألباني،  ويقول : [ لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ] صحيح ابن حبان للأرناؤوط

 

مظهر 14 :  عدم مراعاة مشاعر الآخرين، وعدم الاهتمام بحقوق الإنسان، فضلا عن حقوق المسلم المؤمن:

 

     ومن نتائج ذلك الاستهانة بالآخرين،  استصغار الآخرين، وصعوبة الاعتراف بحقوق الآخرين، مهما كانوا على الحق وكنت على خلافهم.

 بعض الناس يرى لنفسه الحق والأولوية في كل شيء حتى في الطريق أو في طابور الخبز والخضروات، فلا يحب أن يكون مثل عباد الله المسلمين،  وإذا ناقشه أحد ، أهانه وجرح مشاعره كبراً وعلوا والله المستعان.

فتراه يمارس الاقصائية وعدم الاعتراف بالآخرين، ويمجد نفسه وأهله وأولاده وكل شيء ينسب إليه، وبالمقابل يحتقر الآخرين وكل ما يملكون وحتى ما يقولون أو يفكرون.

والله تعالى يقول : { يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم }، ويقول تعالى : { وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزع بينكم، إن الشيطان كان للإنسان عدواً مبينا }.

ويقول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : [ خياركم أحاستكم أخلاقا ، الموطئون أكنافاً ، وشراركم الثرثارون المتفيهقون المتشدقون قالوا يا رسول الله ما المتفيهقون ، قال : المتكبرون ] . صححه الألباني

 

وبعد

 

ما هو المخرج .. من هذه الأزمة المطبقة

                                                          

المخرج موضح في كتاب الله تعالى ، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم .. ملخصة في ثلاثة نصوص ، آيتين وحديث :

1-   قال الله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسهم }، فإن غيروا أنفسهم نحو الخير، غير الله حالهم نحو الخير، وإن غيروا أنفسهم نحو الشر غير الله حالهم نحو الشر.

 

إذن :

الأمر بأيدينا، بأيدي الشعوب بأي الحكام والمحكومين، إذا أردنا أن يغير الله حالنا إلى أحسن حال علينا : نبدأ بتغيير أنفسنا إلى ما يرضي الله، ونغير أبنائنا على ما يرضي الله ، ونشيع الأخلاق الحسنة بيننا وفي أسرنا وأعمالنا ومدارسنا وجامعاتنا، حتى يغير الله حالنا إلى أحسن حال، ولابد من ابتكار كل الوسائل وسلوك كل سبيل يؤدي إلى تغيير الأخلاق السقيمة إلى أخلاق سليمة، ومهما كانت الخسائر، فان المكاسب والفوائد لا تقارن بثمن.

2-   قال الله تعالى : { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركاتٍ من السماء والأرض ، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون } .

– إذن ما أصابنا وأصاب العالم من خير فمن الله،  وما أصابنا من سوء فبما كسبت أيدي الناس، وبسبب بعدهم عن تعاليم خالقهم ورازقهم سبحانه وتعالى هو يريد لهم الخير، وهم يريدون لأنفسهم الشر .

3-   قول الرسول – صلى الله عليه وسلم – : [ أحفظ الله يحفظك أحفظ الله تجده تجاهك ] . حديث صحيح

 

إنه وعد من الله على لسان رسوله والله لا يخلف الميعاد، فإذا حافظ الفرد على أوامر الله ونواهيه، وحافظت الأسرة على أوامر الله ونواهيه، وحافظ أهل المسجد على ذلك ، وحافظت المدرسة على ذلك ، وحافظ أفراد المجتمع، وموظفو الدولة، والمسئولين، والحكام والمحكومين ، إذا حافظ الجميع على أوامر الله، حفظهم الله تعالى من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ، وان ضيعوا الله تعالى وضيعوا حدوده ضيعهم الله كما ضيعوا أوامره ونواهيه ونسيهم كما نسوا أمره ونهيه، جزاء وفاقا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

والله المستعان وعليه وحده التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

« المواضيع السابقة Recent Entries »