Category Archives: غير مصنف

الأضحى والأضحية والتضحية – تأملات ومقارنات


بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

في كل عام يعود علينا عيد الأضحى ليوقظ فينا قيمة عظيمة هي التضحية، إذ أن التضحية في الإسلام ليست مجرد شعور عابر، بل هي جوهر الإيمان، وعلامة صدق الاتباع، ودليل تعظيم أوامر الله. وقد جعل الله من شعائر الحج والذبح مدرسة سنوية نُجدد فيها العهد: أن نُقدّم لله ما نحب، ونبذل من أجل رضاه أنفسنا وأهلنا ومالنا إن تطلّب الأمر.

وبهذه المناسبة يظهر بوضوح دور هذا البيت المعظم؛ آل إبراهيم عليهم السلام كنموذج خالد للتضحية، حيث تتجلّى في حياتهم معاني البذل والفداء والانقياد الكامل لله، وتُضيء مواقفهم دروب الإيمان للأجيال بعدهم.

فهذا إبراهيم الخليل، يرى في المنام أنه يذبح فلذة كبده إسماعيل، فلا يتردد ولا يتلكأ طرفة عين، بل يُسلم لله تسليمًا تاما، ويُقدّم مشهدًا مهيبًا يخلد للأجيال مفهوم التضحية بأسمى معانيها، ويختزل عمق الطاعة وتجرد القلب من التعلق إلا بالله استسلاما وانقيادا.

ويقف الابن إسماعيل عليه السلام موقفًا لا يقل عظمة، فيتلقّى الخبر من والده ويجيبه بكل يقين وثبات: “يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين”، في لحظة يتجلّى فيها الاستعداد للتضحية بالنفس طاعة لله وبرًا بأبيه، لتكون طاعته درسًا خالدًا في الإيمان والبذل. ولم تكن الزوجة والأم هاجر بعيدة عن هذا المشهد، بل كانت ثالث أضلاعه، إذ واجهت الأمر بفؤاد الأم وقلب المؤمنة، صابرة محتسبة، لا تجزع ولا تعترض، بل تسكت وساوس الشيطان وترجمه بحجارة الحزم والثبات، فخلّد الله صنيعها في شعيرة رمي الجمار، تذكيرًا بموقف أم صدقت مع الله.

ومن قبل هذا، توالت صور التضحية في هذا البيت العظيم، حين يُؤمر إبراهيم بترك نفس الزوجة ورضيعها في صحراء قاحلة، لا أنيس فيها ولا ماء، فينصاع للأمر الإلهي دون نقاش، ويعود من حيث أتى، مودعًا أعزّ ما يملك في أقسى ظروف تمر على بشر.  

وفي الموقف تتجلى هاجر في أبهى صور اليقين، حين سألت إبراهيم: “ألله أمرك بهذا؟” فيجبها بكلمة واحدة: “بلا”، فترد المرأة المؤمنة بكل ثبات ويقين: “إذن لن يضيّعنا”. وهكذا تتجسد التضحية ليس فقط في الاحتمال والصبر، بل في التسليم التام والرضا العميق.

ومن رحم هذه المحنة والمعاناة، نبع ماء زمزم بكل ما يحمله من معاني الخير والبركة التي يقدسها المسلمون، ومن نفس الموقف خلّد الله سعيها المضني بين الصفا والمروة، فجعل منه شعيرةً من شعائر الحج، تذكيرًا بمواقف أمّ عظيمة سعت للإبقاء على حياة ولدها، وأيقنت أن الفرج لا يأتي إلا بعد تعب، وأن التضحية حين تكون لله، لا تذهب سدى، بل تبقى نبراسًا يهتدي به المؤمنون مدى الحياة.

والجدير بالذكر أن التضحية كانت سُنّة ثابتة في حياة الأنبياء من قبل، وتجسيدًا عمليًا لمعاني الصدق والثبات على الحق. فعلى سبيل المثال، هذا موسى عليه السلام يترك القصور وحياتها المترفة ويختار مواجهة بطش فرعون امتثالا لأمر الله تعالى، ومثله يوسف عليه السلام، الذي اختار السجن على خيانة الأمانة والتخلص من فخاخ مكر وكيد النسوة، وهذا عيسى عليه السلام يصبر على أذى قومه ومكر المبطلين، أما خاتمهم محمد ﷺ فبلغ الذروة في التضحية: ضحّى بمكانته في قريش، وهاجر من أحب البقاع، وصبر على الجراح والمؤامرات في سبيل تبليغ رسالة ربه.

ولم ينقطع الأمر في زماننا هذا رغم بعد أمده عن النماذج السابقة، حيث تتجلى أعظم صور التضحية في فلسطين، فتغدو غزة أنموذجًا حيًّا للبذل والفداء. دماء تُسفك، وأرواح تُزهق، وصبر يتجدد، في ملحمة متواصلة لأجل الدين والمقدسات. إنها تضحية حقيقية، تذكّرنا في كل عيد بمعنى البقاء على الحق مهما كان الثمن.

وفي ختام هذه التأملات، تبرز تساؤلات ملحة ينبغي أن نطرحها على أنفسنا بصدق وتجرد: ما هو دوري ودورك-  أيها القارئ الكريم-  وما هو نصيبي ونصيبك ونحن نستعرض مشاهد التضحية التي خلدها الله في كتابه وسُنّة نبيه؟ هل نضحّي بجزء من أوقاتنا لأداء الطاعات وأعمال البر؟ هل نتنازل عن شيء من راحتنا ورفاهيتنا من أجل خدمة ديننا والدعوة إليه؟ هل نقدّم شيئًا من مالنا أو جهدنا أو علمنا أو جاهنا لنصرة الحق وإعلاء كلمة الله في الأرض؟

اللهم اهدنا فيمن هديت

د. محمد ناجي عطية

10 ذي الحجة يوم العيد الأكبر 1446

*******

« المواضيع السابقة