Category Archives: التنمية البشرية

أفكار ووقفات لبناء خطتك الشخصية للعام الجديد 1442 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

بما أنه قد أظلنا عام جديد 1442  فنحتاج الى خطة مبسطة جدا وفعالة وبعيدة عن تعقيدات الخطط ومبالغات المخططين ، لذلك سأقدم لنفسي  ولكم هذه الأفكار و الوقفات لعلنا ننتفع بها جميعا.

الانسان الجاد يتخذ من كل مناسبة فرصة ليقف وقفة متأمل في ماضيه فيأخذ منه العبرة لتحسين أدائه في المستقبل. وبهذا الخصوص، سأقف معكم وقفتان: الاولى: هي الوقوف على  حصاد العام الماضي، والثانية كيف نبني استنادا الى حصاد الماضي خطة شخصية للعام المقبل.

الوقفة الأولى: حصادك للعام الماضي/

  • قف مع نفسك وقفة محاسبة الشريك الشحيح لشريكه الذي يقسو عليه، ومع ذلك يرجو له الربح والنجاح، ولكن (تجنب المجاملة أو التضخيم).
  • يستحسن أن تقوم بكتابة أفكارك – وأقولها عن تجربة –  لأن الأفكار الرائعة المتعلقة بالأمور المهمة يجب أن تدون حتى لا تكون عرضة للنسيان أو التغيير.
  • استعرض بشكل مركز أربعة من أهم عوامل التحليل والتخطيط وهي:
  1. أهم نقاط قوتك وهي العوامل (الداخلية فيك)، والتي تميزت بها  واستعنت بها على تحقيق أهدافك. ( علم -مهارة – مال- علاقات …)
  2. أهم نقاط ضعفك وما  كان يعيقك (من داخلك)  في بلوغ غاياتك. ( ضعف لغة- تشتت- تسرع – غضب …)
  3. هل وجدت فرص أمامك في (محيطك الخارجي) كنت تعول عليها في تحقيق غاياتك؟ ( جامعات – مراكز – دورات عن بعد – فرص استثمارية …)
  4. هل وجدت تهديدات أو مخاطر في (محيطك الخارجي )  كانت تقف حائلا امام طموحاتك؟ ( خوف – بيئة غير مستقرة- خدمات مفقودة – ضعف مصادر الدخل …)
  • لخص أبرز الصعوبات التي واجهتك في مسيرتك الماضية حتى نهاية العام الماضي (حددها بنقاط وأرقام قدر المستطاع)
  • حدد من هم شركاء النجاح الذين ساعدوك في بلوغ ما بلغته من نجاحات (أفراد، مؤسسات، قريبين، بعيدين …)
  • حدد من هم المستهدفين من جهودك ، والذين تعمل من أجلهم وترى ان مستقبلك مرتبط بمستقبلهم (الأهل – الأولاد – الوالدين .- التلاميذ… وغيرهم)

ملاحظات /

  • إن دراستك لهذه العوامل بتمهل وعمق وصراحة ستضعك بالصورة شبه الكاملة قبل الانطلاق الى بناء نفسك بشكل أفضل في العام الجديد، كما ستكتشف لك الكثير عن ذاتك ومحيطك.
  • نصيحتي لك لا تستعجل، أعد النظر والتحليل حتى استمر لأكثر من يوم، فليس هناك أهم من نفسك ومستقبلك، وليس هناك جهل أشد من جهلك بذاتك وبنفسك التي بين جنبك.

الوقفة الثانية: خطة العام المقبل/

الفكرة الرئيسة لخطة العام المقبل يجب أن تبنى على نتائج حصادك للعام الماضي، ومخالفة هذا المبدأ يعني قصور كبير في مبدأ التخطيط. وبناء على هذا الأساس اليك المقترحات التالية:

أولا :

طالما أنك تمتلك نقاط قوة، وحققت بموجبها انجازات رائعة تفخر بها، فمن العقل والحكمة الاستمرار بنفس المستوى (على الأقل) وعدم التراجع الى الوراء، فالأكمل والأفضل في تحسين وتطوير إنجازاتك الماضية إنما يتم بالاعتماد على نقاط قوتك الحقيقية.  

والآن عليك أن تجيب عن السؤال الأول:

ماهي الأهداف التي أريد تحقيقها خلال العام الجديد في مجال نقاط قوتي وتحسين وتطوير انجازاتي.

مثال: الاستمرار في نشاط مربح – الاستمرار في مراسلة صحيفتي المحببة – الاستمرار في التدريب والتطوير – الاستمرار في رياضة التنس …)

لاحظ: أن الأهداف هنا هي استمرارك في النشاط مستقبلا معتمدا على إنجازات رائعة سابقة، لكن الجديد فيها هو التطوير والتحسين والتقوية لها.

ثانيا:

ومن المؤكد أن هناك نقاط ضعف في مهاراتك وامكانياتك، كنت دائما تلاحظ أنها لا تسعفك في بلوغ طموحاتك، بل تتعثر بها كل ما هممت الانطلاق، وكثيرا ما تعاتب نفسك عليها، وكنت تتمنى لو أنك لو استطعت إزالتها من حياتك فيكون وضعك أفضل وأجمل واقوى.

في هذه الحالة أنت في حاجة الى ( استراتيجية علاجية) لنقاط ضعفك حتى تزيلها  أو تخففها  من حياتك على الأقل، بل أكثر من ذلك أنك ستحاول (بعزيمتك) أن تحولها مستقبلا الى نقاط قوة، (مثال: ضعف استخدام الحاسوب .. كيف تأخذ دورة تنهي معاناتك الى الأبد، وتتحول الى نقطة قوة).

والآن عليك أن تجيب عن السؤال الثاني:

ماهي الأهداف التي تمكنني من تجاوز نقاط الضعف التي أعاني منها، حتى أركز عليها في العام المقبل؟

(لاحظ أن نقاط ضعفك تتعلق بأشياء داخلك، مثل المهارات – الامكانيات – العلاقات – التواصل – اللغات- سوء التعامل…)

ثالثا:

وبنفس الطريقة، أنت تعيش في هذا العالم، سواء في مقر اقامتك أو العالم الافتراضي الذي يمكنك التواصل معه، وفي هذا العالم بالتأكيد هناك العديد من الفرص التي تتناسب مع ظروفك وامكانياتك، قد اكتشفت بعضها في الماضي وتعاملت معه ، إذا استطعت أن تكتشف المزيد من الفرص الجديدة التي تقدر على التعامل معها، فأنت استطعت ان تفهم محيطك وكيف تكيفه لصالحك.

والآن عليك الإجابة عن السؤال الثالث:

ماهي الأهداف التي يمكن استنتاجها من خلال تحليل الفرص في الواقع المحيط بي، والتي سأركز عليها في العام المقبل؟

مثال على الفرص: الاستفادة من : وجود مراكز تدريب وتطوير- وجود جهات توفر المنح الدراسية – وجود فرص عمل تتناسب مع وضعك ….. لاحظ انها عوامل قوة ولكن في البيئة المحيطة بك وليس بيدك قرارها.

رابعا :

بالتأكيد أنت وغيرك من أفراد مجتمعك وفي محيطك تواجهون مخاطر وتهديدات تتفاوت في خطورتها عليك وعلى حياتك وعلى أسرتك ، فاذا استطعت أن تحدد تلك المخاطر والتهديدات بشكل موضوعي ودقيق استنادا الى ماكتبت سابقا،و دون مبالغة أو تهوين، حينها تستطيع أن ترسم لنفسك ملامح واضحة لقرار التحرك باتجاه مستقبلك، ورسم الحدود التي يصعب عليك تجاوزها كونها تمثل خطورة عليك.

والآن عليك الإجابة عن السؤال الرابع:

ماهي الأهداف التي يمكن استنتاجها من تحليل المخاطر التي تحيط بي، والتي سأركز عليها في العام المقبل؟

عليك أن تلاحظ الفرق بين نقاط الضعف والتهديد.. الضعف داخلك أنت – التهديد خارج عنك وعن قدراتك، ويقع عليك وعلى غيرك، وربما لا تستطيع السيطرة عليه بل تتكيف معه أو تهرب منه).

أمثلة على أهداف المخاطر : إزالة القلق والمخاوف من أجل حياة مستقرة .. تامين مصدر دخل ثابت استعين به في تسيير اموري.

الآن //

إذا وصلت الى هذا القدر، وإذا كتبت تحليلك السابق (كتابة) وكتبت أهدافك (كتابة)، أضمن لك بعد توفيق الله أنك حققت نصف الخطة، بمعنى ان الصورة حول ماضيك ومستقبلك صارت امامك واضحة للغاية، فقط أنت في حاجة الى إجراءات ترتيب، وتحتاج الى قرار أكيد بالانطلاق باتجاه الأهداف.

وإليك بعض الترتيبات التي تساعدك على الاستمرار في خطتك الرشيدة (ان شاء الله):

  • احتفظ بالتحليل من أجل استعراضه في العام المقبل ومقارنة نفسك بعد عام من الجد والاجتهاد والحياة وفق أهداف وخطة مرتبة وبدون عشوائية.
  • اعمل قائمة واحدة لكل أهدافك في المجالات الاربعة السابقة (القوة – الضعف –الفرص –التهديدات)، بأن تضع لكل سؤال هدف أو هدفين أو ثلاثة ولا تزيد الا للضرورة.
  • أعد النظر في القائمة وتأملها، راجعها أعد صياغتها، واختصر الأهداف، بغرض عمق فهمها وسهولة حفظها وتذكرها.
  • اقنع نفسك بأن هذه الأهداف هي التي سوف تغير مستقبلك نحو الأفضل بفضل الله تعالى وحسن الاستعانة به ثم بذل الوسع في تحقيقها.

استمر/

  • عند تأملك في أهدافك الجميلة، يجب ألا تكون عائمة، وحتى تخرج من هذا الوصف:
  • تأكد من أنها تحتوي على ثلاثة عوامل أساسية : 1- واضحة جدا ومفهومةلديك ،  2- تعرف كيف تحققها في الواقع ، 3- تستطيع  ان تقيس مقدار الانجاز فيها بالارقام بين (قوي – متوسط – ضعيف).
  •  واعلم أن الهدف الذي لا تتضح فيه هذه الثلاثة العوامل، عليك أن تقوم بتعديله، فإن لم تستطع، فلا تضيع وقتك في أهداف عائمة.
  • السر في إزالة الغموض عن اهدافك أن علقلك الباطن لم يفهم تماما أهدافك بدقة ووضح ، وبالتالي لن يستطبع التحرك في اتجاه غامض عنه.
  • الآن اعد كتابة قائمة منقحة بأهدافك الرائعة الجميلة، واكتبها كتابة من يصنع مستقبله بيده ويخطط مستقبله بقلمه.

استمر/

  • ستلاحظ في القائمة السابقة أن الأهداف التي كتبت ليست كلها بدرجة واحدة من الأهمية والاستعجال، فبعضها مهم ولا يمكن التخلي عنه لان التخلي عنه سيؤدي الى الضرر، مثل المصاريف والعبادات، والبعض الاخر ربما يكون أقل أهمية، وبعضها يجب الاستعجال به فورا وتأخيره فيه ضرر، مثل: معالجة المرض ودفع مستحقات ، والبعض مهم لكن لا ضرر من تأجيله ، لكن مشكلته أنك قد تهمله وتنساه مع الوقت، مالم تقوم بجدولة زمن الإلبدء فيه مثل الصحة العامة والتعليم وتربية الأبناء.

وصلنا/

الآن أعد مجددا كتابة قائمة اهدافك الجميلة الرائعة ولكن رتبها حسب الأولوية( الأهمية والاستعجال) ، واليك هذه الخطوة البسيطة جدا:

  • ( اعط لكل هدف درجة من 100 بحسب أولويته بالنسبة لك،حاول أن تعطي درجات متفاوتة بين الأهداف بحيث لا يتساوى أكثر من هدف في درجة التقييم، ( احذر ان تجامل نفسك وقيمها تقييما صحيحا).

تهانينا/

أخيرا أصبح لديك قائمة أهداف من أجمل ما يكون، فهنيئا لك من كل قلبي فقد رسمت أهم خطوات طريقك نحو مستقبلك.

جدول التنفيذ:

انصحك أن تعمل لها جدولا زمنيا بحسب ظروفك، وبحسب إمكانياتك وبكل بساطة.

  • ضع في الجدول أمام كل هدف أربعة أشياء أساسية : متى تبدأ تنفيذ الهدف بالتاريخ والشهر – ومتى تتوقع أن يتم إنجازه – أبسط وأبرز خطوات للتنفيذ – التكاليف المتوقعة (اذا لزم).
  • عليك أن تراعي المرونة والأريحية في جدولة أهدافك.
  • كن جادا قدر الإمكان واحذر ان تهمل قائمة مستقبلك حتى لا تضيع الآمال وتضطر للبدء من جديد في كل عام.

نصائح ختامية//

  • أنصحك ان تركز على أهم الأهداف، خاصة المهمة جدا، وألا تكثر منها حتى لا تتشعب فتمل ويضيع جهدك.
  • أنصحك بأن تطالع أهدافك وطرق الوصول اليها دائما.. دائما، لو قدرت أسبوعيا فنعم وإن لم فشهريا، أو على الأقل فصليا، أما أبعد من هذا فذاك جفاء مع مستقبلك.
  • من اليوم قم بشراء مفكرة جميلة (أو ملف في كمبيوترك الشخصي) واكتب العنوان: “مستقبلي بين الماضي والحاضر” (أو أي عبارة تليق بمستقبلك الجميل) وسجل فيها كل ما كتبت أعلاه بأجمل خط، ومع الألوان
  • أفرد ورقة كاملة لجدول أهدافك وزينها بأجمل خط.
  • اجعل هذه المفكرة قريبة منك حتى تطالعها دائما.

إضافات/

حقيقة هائلة ستساعدك جدا //

وجد أن من بديهيات البرمجة اللغوية العصبية وعلم النفس وقوانين العقل الباطن، الحقيقة الهائلة التالية:

إذا اقتنعت تمام الاقتناع بأهدافك، واقتنعت بأنها مهمة وضرورية لتحقيق أمالك وطموحاتك، وبنفس الوقت كانت واضحة جدا وبدون أي غموض، ثم اتخذت قرارك الذي لا رجعة فيه في تحقيقها، ثم كتبتها ووضعتها أمام عينيك بوضوح وتأملتها بين الحين والحين، حينها، وبعد كل هذا الوضوح ، فإنه وبعد توفيق الله وعونه سيتولى واحد آخر نيابة عنك إرشادك وتحفيزك ومساعدتك للوصول اليها.

هل عرفت من هو:

إنه عقلك الباطن، هذا الكائن العملاق الرابض بكل صمت في أعماقك، والذي يمتلك قوة سحرية هائلة في تحويل القناعات والقرارات الواضحة عنده الى خطوات عملية بعون الله وتوفيقه.

وبعد //

استعن بالله ولا تعجز، واعلم أنك تسير مثل غيرك ضمن قدر الله ومشيئته وأنه تعالى “بالغ أمره ” الذي خطه في القدر، وما عليك كمسلم الا اتخاذ أفضل الأسباب وأنسب الوسائل، ثم خاطب ربك وادعه أن ييسر دربك ويسهل أمرك ويرشدك في سيرك تجاه مستقبلك.

اتمنى لك التوفيق والنجاح، وأتمنى أن أحصل على تغذية راجعة، للمساعدة والمتابعة

_____________________________________

مراجع اضافية /  كتب متوفرة في الإنترنت بصيغة  pdf

  • حتى لا تكون كلا – عوض بن محمد القرني
  • كيف تكون عمليا أكثر – سامي تيسير

فجوة التفكير بين جيل الآباء وجيل الأبناء

نحن اليوم نعيش في زمن حرية الرأي وما يسمى الرأي والرأي الآخر، ومن سماته اعتداد كل ذي رأي برأيه رغم ضحالة تلك الآراء عند الكثيرين في غالب الأحيان.

في حين أن زمن الآباء ومن في حكمهم من الكبار كالمعلمين والمربين والمدراء وغيرهم، كان الغالب عليه مبدأ الرأي الواحد، فآباء يأمرون وأبناء يطيعون وينفذون، ومعلم يأمر وطالب يسمع وسرعان ما يستجيب، مع كامل الاحترام والتقدير، ويندر أن يوجد حوار بين الجانبين.

فمع التقدم التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي وثورة المعلومات وتبادل الثقافات بين شعوب الأرض تغيرت الأوضاع، تأثر معها جيل الكبار بحيث لم يعد لهم ذلك الدور القوي في فرض الرأي والهيبة على جيل الأبناء ومن في حكمهم من الطلاب والموظفين وغيرهم، الأمر الذي أوجد فجوة كبيرة بين الطرفين، كان من بعض النتائج التي تولَّدت عنها التنافر والصراع الخفي والمعلن أحيانا في محاولات شتى لإثبات الشخصية مكمن النزاع.

وحتى تسير الأمور بتوافق تام بين جيل الآباء وجيل الأبناء، على الآباء أن يفكروا بطريقة مختلفة ترتكز على عدة موجهات أهمها: أن يستوعبوا طبيعة التحديات المعاصرة التي يواجهها أبنائهم ويقدِّرون معاناتهم وصراعاتهم المريرة من أجل الحفاظ على التوازن في القيم والمعتقدات والعادات بين ما يتطلبه المجتمع التقليدي وبين ما تفيض به عليهم سيول الثقافات المنهمرة المصحوبة بكل عناصر التشويق والجذب والإغراء.

يضاف الى تلك الموجهات تفهم طبيعة ثقافة جيل الأبناء وطبيعة وتشابك علاقاتهم، والتي باتت مختلفة بشكل كلي عن ثقافة وعلاقات الآباء.

وحتى تظل العلاقة بين الجانبين قوية ومتماسكة يجب على الآباء التفكير بجدية في العديد من العوامل الكفيلة بإيجاد التوازن في نفوس وعقول الأبناء، ومن ذلك: التقبل لأبنائهم وفق الأوضاع المعاصرة المشروحة آنفا، والاعتراف بوجود المشكلة بدلا عن الميل إلى رفضها وإنكارها ثم مدافعتها بكل شراسة بحجة منع التمرد على المبادئ والقيم السائدة في المجتمع. ومع أن هذا المنع صحيح من حيث المبدأ، إلا أنه يجب الأخذ في الاعتبار تغير الأوضاع والذي يحتم أن تتغير معها أساليب التعامل مع الأبناء.

ومن تلك الأساليب: الحوار الودي اللطيف والتفاهم والتقارب والميل إلى الاقناع بدلا عن الميل الى التسلط وفرض الرأي والذي لم يعد له قبولا كبيرا في ثقافة الأجيال المعاصرة.

وكل هذه الأساليب يجب أن تتم في مناخ ودي يتحقق فيه الأمان النفسي والفكري لدى الأبناء وترك سياسة الترهيب والتهديد والانذارات المتكررة، وإن كانت مطلوبة في حدود معينة.  ويصاحب ذلك غطاء كثيف من المحبة والمودة والعاطفة القوية التي تعيد التوازن العاطفي في نفوس الأبناء الى مستواه الطبيعي، وتعينهم على الصمود رغم قساوة حملات التغريب التي يتعرضون لها.

______________________________________________________________________________________

شاهد الفيلم على قناة عالم النور https://www.youtube.com/watch?v=tZCO5kINSOM&t=6s

أخلاقنا.. صور مشرقة وأخرى محرقة!!

المختصر/

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت …. فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

مقالة أخلاقنا – صور مشرقة وأخرى محرقة، محاولة لتشخيص وتحليل للأسباب الكامنة وراء ما يمكن أن تقوم به الدنيا ويستقيم نظامها وتستتب أوضاعها، أو ما قد يفسد ويعطل نظامها فتنهار مجتمعاتها ماديا ومعنويا. إنها البواعث الحقيقية والخفية التي غالبا ما تغيب في مفردات المخططين والمفكرين والاستراتيجيين، والذين كثيرا ما يركزون على القدرات والكفاءات والماديات والامكانيات، وهم أثناء ذلك يشعرون أو لا يشعرون أن كل هذه المقومات والممكنات وراءها يكمن سر الأسرار ومفتاح كل تقدم وفلاح، فأنها لا يمكن أن تقوم البتة ألا أن يتبناها الإنسان المخلص باعتباره أغلى مورد على وجه الأرض. وهذا الانسان بكل أصنافه ومستوياته ومسئولياته، لا يمكن أن يحقق المطلوب منه على أكمل وجه حتى تمتلئ نفسه وتتشبع روحه بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة والتي أساسها ولبها وجذرها وساقها: الإخلاص في العمل، والصدق في القول والفعل، والأمانة في التعامل، وأمثالها من الأخلاق الفاضلة، فإنها صمام أمان لضمان أعلى إنتاجية وبأعلى جودة، وبكل أمانة ومصداقية، مصحوبا ببذل أقل مجهود استراتيجي في الرقابة وتوفير تكاليفها باهظة الثمن. فهذا هو سر الأسرار والمتمثل في العمل على استراتيجية إعادة الحياة للضمير الإنساني بعد أن دمرته طبيعة الحياة المعاصرة.

تمهيد

لعلنا جميعا نلاحظ أن الأمة في وقتنا الراهن تعاني من ضعف وقصور شديد أن لم يكن انعدام في القيم والأخلاق على كافة المستويات، بين الحكام والمحكومين، والرؤساء والمرؤوسين، وبين المدير والعاملين، وبين المعلم وطلابه، وبين التاجر والزبائن، وبين الرجل وزوجته وأولاده وأرحامه وجيرانه.

إن هذا الدخن الذي حل بالأمة لم يكن معروف في أجيالها في العصور المتقدمة، رغم وجود السوء والشر، لكن السمة الغالبة كثيرة الخير وقلة الشر، بينما في عصورنا الحاضرة يستطيع المراقب ان يلاحظ بكل سهولة ويسر غلبة الشر وخفوت الخير من أغلب المجتمعات.

تتناول المقالة صورا مشرقة من القيم والأخلاق باعتبارها البناء المرجعي لمنظومة القيم والأخلاق، ونتناول صورا مشرقة أخرى في هذا العصر، ثم نستعرض بعض الصور المحرقة. ونحن نسوق هذا يحدونا الرجاء و عظيم الأمل أن تكون هذه الكلمات صرخة في عالم الضمير الإنساني إلى إعادة النظر في الأسباب والمسببات وإيجاد الحلول والمعالجات لهذا الأمر الجلل والرزية الكبيرة، أقصد انعدام منظومة القيم والأخلاق في المجتمعات.

صور مشرقة

تأملت في العصر الجاهلي قبل بعثة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام ، فلاحظت أمرا عجيبا، أن أكثر الناس لم يكن لديهم دينا ينظم حياتهم، لكن كانت عندهم منظومة من مكارم الأخلاق، مثل الصدق والأمانة والوفاء بالعهود والعقود والكرم والنجدة وغيرها، توارثوها كابرا عن كابر، فصارت ثقافة تتناقلها الأجيال وتعتز بها، وينتقصون من لا يقيمها بل يعيرون من لا يلتزم بها، حتى أحجم “أبو سفيان” أن يكذب على النبي – صلى الله عليه وسلم – حينما لاحت له فرصة يريد أن يطعن بعرضه من خلالها، أو يشوه سمعته كخصم لدود، أحجم عن ذلك حتى لا ينقل الناس عنه كذبا ولو على خصم فضلا عن صديق، وقد كان حينها كافرا ولم يؤمن بالله تعالى بعد[1]. ومثله ما قال “عنترة بن شداد” وهو من الشعراء العرب في العصر الجاهلي: ” وأغض طرفي إن بدت لي جارتي … حتى يواري جارتي مثواها”[2]

ولا عجب أن كان أحد أهم ما جاء به رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، أن يتمم تلك المكارم ويربطها بالدين، ولعل معنى الإتمام هنا الاستكمال والإصلاح لأمر أصله موجود لكن طرأ عليه بعض القصور والتشويه، فكانت إحدى أضخم مهام النبي الكريم أن يكمل وينظم تلك الأخلاق ويرفعها إلى مقام الشعائر التعبدية التي يتقرب الناس إلى الله بها، ووعد بالثواب العظيم عليها، وتوعد بالشر المستطير لكل من مارس مساوئ الأخلاق.

فليس غريبا على دين الإسلام الذي كان من أول ما بدأ به أول أمره بناء منظومة الاخلاق والقيم ، أن يعِد من رفع غصن شوك من طريق الناس بالشكر من الله والمغفرة بل يدخل الجنة ويتقلب بنعيمها بسبب عمله الصغير هذا والذي عظمته القيمة التي ينتمي اليها وهي رفع الضرر والأذى عن الناس[3]. ومثلها أن يعد امرأة بغي (مومس) بالمغفرة من كل كبائرها، بسبب كلب سقته حينما بلغ به العطش مبلغا عظيما، انه عمل صغير عظمته قيمة الرحمة التي تحييها في المجتمع.  وبالمقابل يتوعد امرأة بالعذاب في النار لعمل قد يبدو في نظر الناس اليوم صغيرا لكنه عند الله كبيرا كونه يتعلق بالقيم والأخلاق التي حاولت تهدمها في المجتمع، فقد حبست هرة حتى ماتت ولم ترحمها فتطعمها أو تطلقها تبحث لها عن رزقها[4].

النتائج المتوقعة

وكان من أولى النتائج لإعمال هذه المبادئ أن وجدت أرضية مشتركة يمكن أن يتخاطب بها النبي مع قومه حتى يوصل إليهم ما يريد، وبنفس الطريقة أحتمى ودعوته من بعض شرورهم قبل أن يعتنقوا الدين الجديد، بل أنه أوجد بيئة يمكن التعايش فيها بين المسلم وغير المسلم من العرب بما يأمن كل واحد على نفسه وعرضه، ويبلغ فيه دينه.

كما أثمرت عن صدور جيل يجمع بين إقامة الشعائر التعبدية جنبا الى جنب مع القيم الحميدة والأخلاق السامية بنفس المستوى ولا انفصام بينهما سواء على مستوى القيادات أو الأفراد ، الى درجة أنه أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: ” لو أن جملا أو قال شاة أو قال حَمَلا، هلك بشط الفرات لخشيت أن يسألني الله عنه”[5] ، ولا غرابة أيضا أن يموت جميع الجرحى في إحدى الغزوات وشربة ماء واحدة تدور بينهم، بدأت من أولهم ورجعت إليه ثم إلى إخوانه من بعده، ولكن بعد أن فارقوا جميعا الحياة، وهم أحوج ما يكونون إليها لإنقاذ حياتهم، لكن خلق الإيثار العميق منعهم من ذلك[6] . إلى غير ذلك من الصور المشرقة من تاريخنا العريق والتي هي كثيرة تفوق الحصر وإنما قصدنا الإشارة لا التفصيل.

صور مشرقة من صنف آخر

وبالمقابل، تأملت في المجتمعات الغربية، فوجدت أنهم يتعايشون (فيما بينهم) بقواسم مشتركة من القيم ومكارم الأخلاق، وهي ما يطلقون عليه “مبادئ حقوق الإنسان” إلى درجة أنه لا يمكن تصور أن يهان منهم فرد في مجتمعهم أو خارجه وفيهم عين تطرف، فتقوم الدنيا ولا تقعد حتى يأخذوا الحق له، صغيرا كان أم كبيرا ذكرا كان أم أنثى، ليس ذلك فحسب، وإنما الحقوا بهم من يحمل جنسياتهم من غيرهم.

أخبرني قريب لي عاش زمنا طويلا في إحدى تلك البلدان، وقد تواتر لدي النقل بعد ذلك، أن النظم في تلك البلدان تقضي أن لكل فرد الحق في الحياة الكريمة، وله الحق أن يأكل ويشرب ويتعالج ويعيش مكرما في بلده، على حساب حكومته، فان كان من القادرين على العمل، دفع ضرائب للحكومة نسبة معلومة من دخله، وإن كان عاطلا، التزمت الحكومة بدفع ما يكفيه من معاش حتى يدبر نفسه بعمل، ولو قضى عمره كله على تلك الحال.

 وأعجب من ذلك أن تلك الدول ترعى أناسا من غير جنسياتهم، عاشوا فيها منذ زمن عمالا، ولما كبروا وعجزوا عن العطاء والعمل، أحيلوا على المعاش التقاعدي، والحقوا بهم زوجاتهم، فيدفعون لهم معاشات شهرية بما يكفيهم، حتى يتوفاهم الله، وتأتيهم بتلقائية عجيبة، دون الحاجة إلى كثر إلحاح أو مطالبة أو مماطلة، وهناك حالات كثيرة وقفت عليها بنفسي.

وهنا نلاحظ أنه حتى لو لم يوجد دين، فتوجد على الأقل قيم وأخلاق يستطيع الإنسان أن يعيش بموجبهما حرا كريما، لا يهان ولا يبخس حقه، فضلا عن أن يظلم أو تؤخذ الحقوق التي هي أصلا ملكا  له، وقد استحقها، أو يعتدى على حقه أو يغتصب ملكه. فأنا أتكلم عن ظواهر وقواعد عامة وقوانين نافذة وسارية المفعول، تعيشها أمم وشعوب، ولا أتكلم عن حالة أو حالات فردية أو جماعية.

أسوق هذا الكلام مع التحفظ الشديد على انعدام خلق العفاف المجتمعي وسياسات البعض تجاه غيرهم، فلديهم أزمة أخلاقية حقيقية، وانحرافات خطيرة، لاسيما في سياساتهم الخارجية، حيث أنها تبنى على قاعدة المصالح، لكني أعني الحديث عن سياساتهم الداخلية تجاه رعاياهم ، وكل من أقروا له بحق الرعاية.

صور محرقة

واليوم وفي هذه القرون، قد داهم العرب والمسلمين خطر كبير وشر مستطير، وهو انهيار منظومة الأخلاق التي دعا لها ديننا الحنيف وقررتها الفطر السليمة حتى في الأمم الكافرة والشعوب الجاهلية، فظهر شر ذلك على كل المستويات، واستفحلت وتعمقت حتى صارت أزمة حقيقية، تعاني منها الأمة، فأصبحت – في تقديري – من أكبر المصائب والنكبات التي ابتليت بها الأمة، وباب شر فتح عليها دخلت عليها منها سائر الشرور، ولعل السبب يعود الى أنهم غيروا ما في نفوسهم فتغيرت أحوالهم، ولو عادوا لعادت الى طبيعتها.

وقد قرر فقهاء الإسلام حقائق عظيمة تفسر بعض ما يجري من أزمة القيم والأخلاق، ومن ذلك ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة إن كانت مسلمة”، وقوله: “الدنيا تدوم مع العدل والكفر، ولا تدوم مع الظلم والإسلام”[7] . فهذا هو شأن منظومة الأخلاق التي ذكرت لكم وعظيم أثرها في بقاء أو زوال الدول والأمم والشعوب.

صور محرقة

سأعرج على بعض المظاهر التي نعيشها جميعا – كأمثلة – على مستوى تدني الأخلاق في كافة مستويات المجتمع، إلى المستوى الذي يمكن اعتبار أنه أزمة حادة. مع وجودب التنبيه إلى أن ذكر هذه المظاهر لا يعني انعدام أو قلة من يحملون القيم والأخلاق الحميدة، فهم لا يزالون موجودون في كل مجتمع، لكن القصد الكثرة الكاثرة والغلبة الغالبة من الناس في أي مجتمع معاصر.

فمن تلك الصور: انتشار ظاهرة الكذب وغياب الصدق، غياب الوفاء بالوعود والعهود والمواثيق والعقود، انتشار ظاهرة خيانة الأمانة في الأموال والأعراض، الغش في البيع والشراء وظهور الاحتكار والجشع ورفع الأسعار بقصد المشقة وكثرة التربح على حساب معايش الناس. ويدخل في معنى الغش؛ غش الطلاب في الامتحانات من أجل النجاح الكاذب، و انتشار عقوق الآباء والأمهات، قطيعة الأرحام وهجران العمات والأعمام والأخوة والأخوات وسائر الأهل والأقارب والأرحام، وتفتت الأسرة ؛ نواة المجتمع وتشرد أبنائها في الأرجاء، وانتشار الحسد والحقد والغل، وانتشار ظاهرة أكل أموال الناس بالباطل، وشهادة الزور والحلف بالأيمان الكاذبة لإحقاق الباطل أو إبطال الحقوق، وغياب خُلُق التراحم بين المسلمين من عدم توقير الصغار للكبار وضعف عطف الكبار على الصغار، ومظاهر الكبر والغرور، وعدم مراعاة مشاعر الآخرين، وعدم الاهتمام بحقوق الإنسان.

وبعد/

فهذه محاولة لتشخيص وتحليل للأسباب الكامنة وراء ما يمكن أن تقوم به الدنيا ويستقيم نظامها وتستتب أوضاعها، أو ما قد يفسد ويعطل نظامها فتنهار مجتمعاتها ماديا ومعنويا. إنها البواعث الحقيقية والخفية التي غالبا ما تغيب في مفردات المخططين والمفكرين والاستراتيجيين، والذين كثيرا ما يركزون على القدرات والكفاءات والماديات والامكانيات، وهم أثناء ذلك يشعرون أو لا يشعرون أن كل هذه المقومات والممكنات وراءها يكمن سر الأسرار ومفتاح كل تقدم وفلاح، فأنها لا يمكن أن تقوم البتة ألا أن يتبناها الإنسان المخلص باعتباره أغلى مورد على وجه الأرض. وهذا الانسان بكل أصنافه ومستوياته ومسئولياته، لا يمكن أن يحقق المطلوب منه على أكمل وجه حتى تمتلئ نفسه وتتشبع روحه بالقيم السامية والأخلاق الفاضلة والتي أساسها ولبها وجذرها وساقها: الإخلاص في العمل، والصدق في القول والفعل، والأمانة في التعامل، وأمثالها من الأخلاق الفاضلة، فإنها صمام أمان لضمان أعلى إنتاجية وبأعلى جودة، وبكل أمانة ومصداقية، مصحوبا ببذل أقل مجهود استراتيجي في الرقابة وتوفير تكاليفها باهظة الثمن. فهذا هو سر الأسرار والمتمثل في العمل على استراتيجية إعادة الحياة للضمير الإنساني بعد أن دمرته طبيعة الحياة المعاصر.


[1] – من الحوار الذي دار بين هرقل عظيم الروم وابي سفيان بن حرب قبل أن يعلن اسلامه بزمن طويل.

[2] – عنترة بن شداد من قصيدته الموسومة:” يا عبل أين من المنية مهربي” من شعر العصر الجاهلي. نقلا عن موسوعة  https://www.aldiwan.net/

[3]– ” بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَه ) من حديث ابي هريرة في صحيح ابن حبان،  وله في رواية لمسلم : (لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الْجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِى النَّاسَ” نقلا عن موسوعة الدرر السنية  https://www.dorar.net/

[4]– الاحاديث صحيحة في صحيح البخاري ومسلم

[5] أخرجه ابن أبي شيبة في “المصنف” (34486) ، والخلال في “السنة” (396) نقلا عن موقع الإسلام سؤال وجواب https://islamqa.info/

[6] -البداية والنهاية لابن كثير، نقلا عن موسوعة الدرر السنية https://www.dorar.net/

[7] – مجموع الفتاوى 28/ 63 نقلا عن الموسوعة الشاملة


arid.my/0005-2054
طالع الموضوع في مدوني الخاصة بمنصر أريد العالمية للابحثين العرب


« المواضيع السابقة Recent Entries »