Author Archives: Dr.MNAtiah

الأضحى والأضحية والتضحية – تأملات ومقارنات


بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله

في كل عام يعود علينا عيد الأضحى ليوقظ فينا قيمة عظيمة هي التضحية، إذ أن التضحية في الإسلام ليست مجرد شعور عابر، بل هي جوهر الإيمان، وعلامة صدق الاتباع، ودليل تعظيم أوامر الله. وقد جعل الله من شعائر الحج والذبح مدرسة سنوية نُجدد فيها العهد: أن نُقدّم لله ما نحب، ونبذل من أجل رضاه أنفسنا وأهلنا ومالنا إن تطلّب الأمر.

وبهذه المناسبة يظهر بوضوح دور هذا البيت المعظم؛ آل إبراهيم عليهم السلام كنموذج خالد للتضحية، حيث تتجلّى في حياتهم معاني البذل والفداء والانقياد الكامل لله، وتُضيء مواقفهم دروب الإيمان للأجيال بعدهم.

فهذا إبراهيم الخليل، يرى في المنام أنه يذبح فلذة كبده إسماعيل، فلا يتردد ولا يتلكأ طرفة عين، بل يُسلم لله تسليمًا تاما، ويُقدّم مشهدًا مهيبًا يخلد للأجيال مفهوم التضحية بأسمى معانيها، ويختزل عمق الطاعة وتجرد القلب من التعلق إلا بالله استسلاما وانقيادا.

ويقف الابن إسماعيل عليه السلام موقفًا لا يقل عظمة، فيتلقّى الخبر من والده ويجيبه بكل يقين وثبات: “يا أبت افعل ما تؤمر، ستجدني إن شاء الله من الصابرين”، في لحظة يتجلّى فيها الاستعداد للتضحية بالنفس طاعة لله وبرًا بأبيه، لتكون طاعته درسًا خالدًا في الإيمان والبذل. ولم تكن الزوجة والأم هاجر بعيدة عن هذا المشهد، بل كانت ثالث أضلاعه، إذ واجهت الأمر بفؤاد الأم وقلب المؤمنة، صابرة محتسبة، لا تجزع ولا تعترض، بل تسكت وساوس الشيطان وترجمه بحجارة الحزم والثبات، فخلّد الله صنيعها في شعيرة رمي الجمار، تذكيرًا بموقف أم صدقت مع الله.

ومن قبل هذا، توالت صور التضحية في هذا البيت العظيم، حين يُؤمر إبراهيم بترك نفس الزوجة ورضيعها في صحراء قاحلة، لا أنيس فيها ولا ماء، فينصاع للأمر الإلهي دون نقاش، ويعود من حيث أتى، مودعًا أعزّ ما يملك في أقسى ظروف تمر على بشر.  

وفي الموقف تتجلى هاجر في أبهى صور اليقين، حين سألت إبراهيم: “ألله أمرك بهذا؟” فيجبها بكلمة واحدة: “بلا”، فترد المرأة المؤمنة بكل ثبات ويقين: “إذن لن يضيّعنا”. وهكذا تتجسد التضحية ليس فقط في الاحتمال والصبر، بل في التسليم التام والرضا العميق.

ومن رحم هذه المحنة والمعاناة، نبع ماء زمزم بكل ما يحمله من معاني الخير والبركة التي يقدسها المسلمون، ومن نفس الموقف خلّد الله سعيها المضني بين الصفا والمروة، فجعل منه شعيرةً من شعائر الحج، تذكيرًا بمواقف أمّ عظيمة سعت للإبقاء على حياة ولدها، وأيقنت أن الفرج لا يأتي إلا بعد تعب، وأن التضحية حين تكون لله، لا تذهب سدى، بل تبقى نبراسًا يهتدي به المؤمنون مدى الحياة.

والجدير بالذكر أن التضحية كانت سُنّة ثابتة في حياة الأنبياء من قبل، وتجسيدًا عمليًا لمعاني الصدق والثبات على الحق. فعلى سبيل المثال، هذا موسى عليه السلام يترك القصور وحياتها المترفة ويختار مواجهة بطش فرعون امتثالا لأمر الله تعالى، ومثله يوسف عليه السلام، الذي اختار السجن على خيانة الأمانة والتخلص من فخاخ مكر وكيد النسوة، وهذا عيسى عليه السلام يصبر على أذى قومه ومكر المبطلين، أما خاتمهم محمد ﷺ فبلغ الذروة في التضحية: ضحّى بمكانته في قريش، وهاجر من أحب البقاع، وصبر على الجراح والمؤامرات في سبيل تبليغ رسالة ربه.

ولم ينقطع الأمر في زماننا هذا رغم بعد أمده عن النماذج السابقة، حيث تتجلى أعظم صور التضحية في فلسطين، فتغدو غزة أنموذجًا حيًّا للبذل والفداء. دماء تُسفك، وأرواح تُزهق، وصبر يتجدد، في ملحمة متواصلة لأجل الدين والمقدسات. إنها تضحية حقيقية، تذكّرنا في كل عيد بمعنى البقاء على الحق مهما كان الثمن.

وفي ختام هذه التأملات، تبرز تساؤلات ملحة ينبغي أن نطرحها على أنفسنا بصدق وتجرد: ما هو دوري ودورك-  أيها القارئ الكريم-  وما هو نصيبي ونصيبك ونحن نستعرض مشاهد التضحية التي خلدها الله في كتابه وسُنّة نبيه؟ هل نضحّي بجزء من أوقاتنا لأداء الطاعات وأعمال البر؟ هل نتنازل عن شيء من راحتنا ورفاهيتنا من أجل خدمة ديننا والدعوة إليه؟ هل نقدّم شيئًا من مالنا أو جهدنا أو علمنا أو جاهنا لنصرة الحق وإعلاء كلمة الله في الأرض؟

اللهم اهدنا فيمن هديت

د. محمد ناجي عطية

10 ذي الحجة يوم العيد الأكبر 1446

*******

ظاهرة بيع الوهم

حينما يتجمّل الوهم بثوب الحقيقة

(1)

إعادة تدوير الحقائق على مقاس الوهم

على الرغم من أن في مجتمعاتنا مؤسسات وشركات كثيرة محترمة، صنعت لنفسها سجلًا مشرفًا من السمعة الطيبة، والإنجازات الحقيقية، وجودة الإنتاج، ووضوح التعامل؛ إلا أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نشهد ظاهرة مزعجة تتسلل إلى المشهد العام، وتفرض حضورها بصمت لامع، عنوانها: “ظاهرة بيع الوهم”.

إنها ظاهرة بدأت تنمو مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وتطورت حتى أصبحت ممارسة شائعة لدى بعض الجهات. لم يعُد النجاح يُقاس بما يُنجز على الأرض، بل بما يُبهر على الشاشة. ولم يعُد المعيار هو “ما تقدمه”، بل “كيف تسوّق نفسك وأفكارك”.

وفي هذا المناخ الرقمي الطاغي، تصدّرت منصات وأشخاص مشهد الترويج، فباتوا يعرضون منتجات تجارية، وأحيانًا تعليمية أو الترويج لوصفات او منتجات تتعلق بالصحة الشخصية، يدّعون أنها حلول استثنائية، أو فرص لا تتكرر، بينما الحقيقة – عند التمحيص – تكون إما ضعيفة لا ترقى إلى مستوى الادعاء، أو معدومة بالكامل.

الأخطر من ذلك، أن بعض المؤثرين تورطوا – بوعي او بدون وعي – في حملات دعائية لا تستند إلى معرفة، ولا تحقق أدنى التزام أخلاقي تجاه المتلقي. شهاداتهم التي يُفترض أن تكون نابعة من التجربة والمعرفة، كثيرا ما تتحول إلى أدوات تأثير غير مناسبة، حيث أن الكثير منها لا يُبنى على الوقائع، والبراهين وإنما بعض معارف سطحية ليس إلا.

وفي سياق الحديث عن “بيع الوهم”، برز شكلٌ أشد خطرًا، يتمثل في الطعن في المعتقدات والثوابت والعلماء والمراجع الفكرية؛ لا عن قناعة أو برهان، بل لأغراض صرف الناس عن حقائق يعرفون صدقها، وتشكيكهم في أصولٍ راسخة بأساليب تضليل ناعمة.
ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد. فقد ظهرت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتضيف بعدًا جديدًا من الخطورة؛ إذ يُعاد تركيب صوت وصورة شخصيات مشهورة – أطباء مفكرين– لتظهر وكأنها تروّج لمنتج لم تسمع به أصلًا. ثم تُتبع الحملة ببيانات نفي أو استنكار… بعد أن يكون الوهم قد انتشر، والتأثير قد وقع.

وهكذا، أصبح من السهل اليوم – مع تطور الأدوات وتعدد المنصات – أن يُقدَّم الوهم في صورة الحقيقة، ويُروَّج للضعف على أنه تميز.

ومن هذا المنطلق، جاءت هذه المقالة لتسلط الضوء على جوانب هذه الظاهرة، في محاولة للفت النظر اليها أملا في الوصول الى مرحلة من الوعي يقل معها التأثير السلبي لبيع الوهم حتى يساهم الجميع في تجنب تبعاتها او تخفيفها قدر الإمكان.

لا نسعى للتجريح أو التهويل، أو بث اليأس، بل نحن نحاول توصيف الواقع بهدف رفع الوعي، والتمييز بين الجهد الحقيقي وبين الترويج الزائف، سواء أتى من مؤسسات، أو أفراد، أو مؤثرين، أو منصات رقمية.

(2)

بيع الوهم … خداع ناعم وواقع مُشوَّه

ليس كل ما يُروَّج له ببراعة… يستحق الثقة، لا سيما في زمننا هذا حيث تتغلب فيه الصورة على الحقيقة، واللافتة على المضمون، وظهور ما يمكن أن نُطلق عليه: “اقتصاد الوهم”، حيث تُباع الخدمات والمنتجات والأفكار لا على أساس قيمتها الفعلية، بل على أساس قدرتها على الإقناع والتأثير… ولو كان ذلك بلا مضمون حقيقي.

“بيع الوهم” ليس مجرد كذبة تسويقية، بل هو منظومة خادعة توظّف أدوات التأثير النفسي والإعلامي، لتُظهر ما لا وجود له، أو لتضخّم ما هو ضئيل.

قد يُقدَّم منتج رديء كأنه ابتكار، أو دورة تدريبية هزيلة كأنها مفتاح النجاح، أو خدمة سطحية كأنها الحل السحري.

لماذا يتفشّى نموذج بيع الوهم؟

لأن التسويق أصبح سيد القرار، يتقدّم على جودة المنتج أو فاعلية الخدمة.

لأن منصات التواصل أتاحت فرصًا هائلة للتأثير دون تحقق.

لأن كثيرًا من الناس ينجذبون للشكل، وينشغلون عن المضمون.

لأننا في عصر “السرعة”، حيث لا وقت للبحث، ولا رغبة في التمحيص.

ولأن بعض المؤسسات لا تجد رقيبًا يُسائلها، فتمادت.

الآثار المدمّرة لبيع الوهم

فرديًا: إحباط، خيبة، فقدان الثقة، وضياع المال والوقت.

اجتماعيًا: تآكل الثقة في المؤسسات، وانتشار الرداءة، وموت النماذج المُلهمة الحقيقية.

أخلاقيًا: تبرير الكذب، وتطبيع الخداع، وتحويل “الزيف” إلى قاعدة.

توصيات للوعي من بيع الوهم:

لا تنخدع بمظهر الإعلان… فتّش دائمًا عن جوهره.

لا تُروّج لشيء لم تجربه أو تتحقق من صدقه.

تعلّم مهارات التحقق النقدي، وتجنّب “الشراء العاطفي”.

اسأل عن التجربة الفعلية لا الشعارات: ماذا قُدِّم؟ لمن؟ وما الأثر؟

شارك تجاربك الصادقة مع الآخرين، لتكون جزءًا من الوعي، لا من التواطؤ.

راقب المشاهير، ولا تمنحهم ثقة مطلقة… فليس كل من يؤثر، صادق التأثير.

تحقق من آلاف الوصفات العلاجية المحمومة والمتعارضة لمنتجات متشابهة وأساليب متناحرة حتى لا تصبح ضحية الوهم فتدفع الثمن.

___________________________________________________

مبادئ الإدارة المعاصرة في الأمثال الشعبية اليمنية

مقدمة الطبعة الثانية ( هدية مجانية – يوجد رابط تحميل في الأسفل)

تفضل قم بتحميل نسختك من هنا https://drive.google.com/file/d/1VzZJJMJV3TMVAUzvWN9o7hnJ–oMvDaW/view?usp=drive_link

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يسعدني أن أقدم للقارئ الكريم الطبعة الثانية من كتاب “مبادئ الإدارة المعاصرة في الأمثال الشعبية اليمنية” [استخلاص الحكم الإدارية والتربوية من تراث الأجداد]، بعد ان حظيت الطبعة الأولى والتي كانت بعنوان :” قواعد ومبادئ الإدارة المعاصرة في الأمثال الشعبية، الأمثال اليافعية نموذجا”، حظيت بقبول واسع وإشادة من القراء والباحثين في مجال الإدارة ، كونها تأتي كلونٍ من ألوان الابتكار في طرح الموضوعات الإدارية ، والتي تهتم بمزج المبادئ الإدارية المستنبطة مما درج على الألسن من تراث الآباء والأجداد، وما يتماشى مع مبادئ الإدارة المعاصرة، تناقلتها الأجيال عبر السماع والمشافهة، حتى تواتر النقل فيها من كثرة من نقلها ، وهو يحمل ضمنا أنها مسلمات سارت عليها تلك الأجيال ولازلت.


وفي هذه السلسلة نركز على الأمثال التي تتماشى مع مبادئ الإدارة المعاصرة، وهو يحمل أيضا دلالة على العلوم الإنسانية قد تكون نوعا من الحقائق التي لا تتبدل ولا تتغير في جوهرها مع مرور الزمن وتعدد الأجيال.


تأتي هذه الطبعة بعد أن لمسنا الحاجة إلى تحديث بعض المفاهيم وإضافة أمثلة جديدة تعكس التطورات الحديثة في علم الإدارة. وقد سعينا في هذه الطبعة إلى تعزيز الربط بين التراث اليمني الأصيل والحكمة الإدارية المعاصرة، مستندين إلى الأمثال الشعبية التي تزخر بها الثقافة اليمنية كغيرها من الثقافات الأخرى. إذ أن الأمثال ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي خلاصة تجارب الأجداد وحكمتهم التي تناقلتها الأجيال، وهي تعكس فهمًا عميقًا للإنسان والمجتمع، وتجسد حقائق رغم قدم تاريخها إلا انها مواكبة لمبادئ العصر الحديث في علم الإدارة.


كما حرصنا على تقديم أمثلة تطبيقية تساعد القارئ على فهم كيفية تطبيق هذه الحكم في بيئة العمل المعاصرة.
ونأمل أن تكون هذه الطبعة إضافة قيمة للمكتبة الإدارية، وأن تسهم في تعزيز الفهم العميق للإدارة من خلال تراثنا الغني. ونسأل الله أن يوفقنا جميعًا لما فيه الخير والصلاح.


والله ولي التوفيق،،،،،

د. محمد ناجي عطية

تفضل قم بتحميل نسختك من هنا https://drive.google.com/file/d/1VzZJJMJV3TMVAUzvWN9o7hnJ–oMvDaW/view?usp=drive_link

« المواضيع السابقة Recent Entries »