ظاهرة بيع الوهم
حينما يتجمّل الوهم بثوب الحقيقة
(1)
إعادة تدوير الحقائق على مقاس الوهم
على الرغم من أن في مجتمعاتنا مؤسسات وشركات كثيرة محترمة، صنعت لنفسها سجلًا مشرفًا من السمعة الطيبة، والإنجازات الحقيقية، وجودة الإنتاج، ووضوح التعامل؛ إلا أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نشهد ظاهرة مزعجة تتسلل إلى المشهد العام، وتفرض حضورها بصمت لامع، عنوانها: “ظاهرة بيع الوهم”.
إنها ظاهرة بدأت تنمو مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وتطورت حتى أصبحت ممارسة شائعة لدى بعض الجهات. لم يعُد النجاح يُقاس بما يُنجز على الأرض، بل بما يُبهر على الشاشة. ولم يعُد المعيار هو “ما تقدمه”، بل “كيف تسوّق نفسك وأفكارك”.
وفي هذا المناخ الرقمي الطاغي، تصدّرت منصات وأشخاص مشهد الترويج، فباتوا يعرضون منتجات تجارية، وأحيانًا تعليمية أو الترويج لوصفات او منتجات تتعلق بالصحة الشخصية، يدّعون أنها حلول استثنائية، أو فرص لا تتكرر، بينما الحقيقة – عند التمحيص – تكون إما ضعيفة لا ترقى إلى مستوى الادعاء، أو معدومة بالكامل.
الأخطر من ذلك، أن بعض المؤثرين تورطوا – بوعي او بدون وعي – في حملات دعائية لا تستند إلى معرفة، ولا تحقق أدنى التزام أخلاقي تجاه المتلقي. شهاداتهم التي يُفترض أن تكون نابعة من التجربة والمعرفة، كثيرا ما تتحول إلى أدوات تأثير غير مناسبة، حيث أن الكثير منها لا يُبنى على الوقائع، والبراهين وإنما بعض معارف سطحية ليس إلا.
وفي سياق الحديث عن “بيع الوهم”، برز شكلٌ أشد خطرًا، يتمثل في الطعن في المعتقدات والثوابت والعلماء والمراجع الفكرية؛ لا عن قناعة أو برهان، بل لأغراض صرف الناس عن حقائق يعرفون صدقها، وتشكيكهم في أصولٍ راسخة بأساليب تضليل ناعمة.
ولم يتوقف المشهد عند هذا الحد. فقد ظهرت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتضيف بعدًا جديدًا من الخطورة؛ إذ يُعاد تركيب صوت وصورة شخصيات مشهورة – أطباء مفكرين– لتظهر وكأنها تروّج لمنتج لم تسمع به أصلًا. ثم تُتبع الحملة ببيانات نفي أو استنكار… بعد أن يكون الوهم قد انتشر، والتأثير قد وقع.
وهكذا، أصبح من السهل اليوم – مع تطور الأدوات وتعدد المنصات – أن يُقدَّم الوهم في صورة الحقيقة، ويُروَّج للضعف على أنه تميز.
ومن هذا المنطلق، جاءت هذه المقالة لتسلط الضوء على جوانب هذه الظاهرة، في محاولة للفت النظر اليها أملا في الوصول الى مرحلة من الوعي يقل معها التأثير السلبي لبيع الوهم حتى يساهم الجميع في تجنب تبعاتها او تخفيفها قدر الإمكان.
لا نسعى للتجريح أو التهويل، أو بث اليأس، بل نحن نحاول توصيف الواقع بهدف رفع الوعي، والتمييز بين الجهد الحقيقي وبين الترويج الزائف، سواء أتى من مؤسسات، أو أفراد، أو مؤثرين، أو منصات رقمية.
(2)
بيع الوهم … خداع ناعم وواقع مُشوَّه
ليس كل ما يُروَّج له ببراعة… يستحق الثقة، لا سيما في زمننا هذا حيث تتغلب فيه الصورة على الحقيقة، واللافتة على المضمون، وظهور ما يمكن أن نُطلق عليه: “اقتصاد الوهم”، حيث تُباع الخدمات والمنتجات والأفكار لا على أساس قيمتها الفعلية، بل على أساس قدرتها على الإقناع والتأثير… ولو كان ذلك بلا مضمون حقيقي.
“بيع الوهم” ليس مجرد كذبة تسويقية، بل هو منظومة خادعة توظّف أدوات التأثير النفسي والإعلامي، لتُظهر ما لا وجود له، أو لتضخّم ما هو ضئيل.
قد يُقدَّم منتج رديء كأنه ابتكار، أو دورة تدريبية هزيلة كأنها مفتاح النجاح، أو خدمة سطحية كأنها الحل السحري.
لماذا يتفشّى نموذج بيع الوهم؟
لأن التسويق أصبح سيد القرار، يتقدّم على جودة المنتج أو فاعلية الخدمة.
لأن منصات التواصل أتاحت فرصًا هائلة للتأثير دون تحقق.
لأن كثيرًا من الناس ينجذبون للشكل، وينشغلون عن المضمون.
لأننا في عصر “السرعة”، حيث لا وقت للبحث، ولا رغبة في التمحيص.
ولأن بعض المؤسسات لا تجد رقيبًا يُسائلها، فتمادت.
الآثار المدمّرة لبيع الوهم
فرديًا: إحباط، خيبة، فقدان الثقة، وضياع المال والوقت.
اجتماعيًا: تآكل الثقة في المؤسسات، وانتشار الرداءة، وموت النماذج المُلهمة الحقيقية.
أخلاقيًا: تبرير الكذب، وتطبيع الخداع، وتحويل “الزيف” إلى قاعدة.
توصيات للوعي من بيع الوهم:
لا تنخدع بمظهر الإعلان… فتّش دائمًا عن جوهره.
لا تُروّج لشيء لم تجربه أو تتحقق من صدقه.
تعلّم مهارات التحقق النقدي، وتجنّب “الشراء العاطفي”.
اسأل عن التجربة الفعلية لا الشعارات: ماذا قُدِّم؟ لمن؟ وما الأثر؟
شارك تجاربك الصادقة مع الآخرين، لتكون جزءًا من الوعي، لا من التواطؤ.
راقب المشاهير، ولا تمنحهم ثقة مطلقة… فليس كل من يؤثر، صادق التأثير.
تحقق من آلاف الوصفات العلاجية المحمومة والمتعارضة لمنتجات متشابهة وأساليب متناحرة حتى لا تصبح ضحية الوهم فتدفع الثمن.
___________________________________________________