الإدارة بالبركة.. لماذا وكيف؟

من معاني الإدارة المعروفة:  تنفيذ الاعمال بكفاءة عالية وكلفة اقل ووقت أسرع [1]، ومعنى البركة: كثرة الشيء الذي فيه الخير وثباته ولزومه، والتبرك طلب البركة: طلب الخير الكثير، وطلب ثباته، وطلب لزومه. [2]

بالبركة والتبرك: مفاهيم أساسية مرتبطة بعقائد المسلمين، حيث يعتقدون أنه لابد من التوفيق الرباني لتسديد توجهاتهم وتصحيح خطوات وإجراءات أعمالهم، وتزكيته من أي خطر على الأفراد والبيئة والمجتمع، بل يكون نافعا وغير ضار ولا خطير، حتى ينمو ذلك العمل ويكون مباركا مسددا، ويتحقق مفهوم الإدارة السابق.

مفهوم خاطئ وشائع:


وهناك مفهوم خاطئ لدى بعض الناس عن الادارة بالبركة، حينما يتحدثون عن أداء الأعمال وهم متعمدون لترك الأسباب وعدم بذل الجهد المطلوب، مع زعمهم زورا أن هذا من التوكل على الله اعتمادا مهم على حلول البركة. وبالمقابل كثيرا ما تسمع بعض الناس يرددون من باب التندر والسخرية؛ إدارة بالبركة تعبير عنهم عن الصورة السابقة.

حقائق واقعية:

ومن غير أدنى شك أننا لو استوعبنا مفهوم البركة وأدركنا بيقين أثرها العجيب في تحقيق الأهداف وتيسير الأمور، لرأينا العجائب.

فلو تأملنا في حياتنا كم نتعب ونعمل، وبعضنا يواصل الليل بالنهار من أجل أن يوفر العيش الكريم له ولأسرته، ومع ذلك لا نصل الى ذلك، بل كل ما تقدمنا في العمر زاد عناؤنا وزادت أعباؤنا.. فهل تساءلنا لماذا؟

وكم يكرمنا الله بالحصول على المال الوفير، والكثير يحصلون على دخول مناسبة، لكن المشكلة أنها لا تفي باحتياجاتهم المتزايدة.. فهل تساءلنا لماذا؟

ونتعب كثيرا في تربية أبنائنا ونحرص كثيرا على تحسين سلوكهم ورفع منسوب استقامتهم، ونمكث السنين الطوال نربي ونأمل ونتمنى، فاذا بالنتائج – في كثير من الحالات – تأتي مخيبة للآمال.. فهل تساءلنا لماذا؟

وهكذا جهود وسعي وتعب وتربية وعناء، ثم أكثر الناس يشكون مرارا ويعانون كثيرا، ويرون أن هناك خلل ما، لكن لا يدرون ما هو ذاك الخلل الذي نزل، ومن أي الأبواب دخل.

مفهوم إجرائي:

باعتقادي أننا افتقدنا إكسير الحياة وأحلى شيء فيها، وهو تدخل الرب الكبير سبحانه ببركته وتوفيقه وعونه في تسديدنا وإعانتنا على تحقيق أهدافنا، وهو نتيجة طبيعية للإيمان به والتعبد له باللجوء اليه والتوكل عليه عند كل عمل نقوم به، وهذا معنى لم يستغن عنه الأنبياء والصالحون والأتقياء على مر الازمان، وهو وصية الله في كتابه والنبي في سنته وهديه.

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ( وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) سورة الطلاق  ، ويقول الرسول الكريم- عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( لو أنكم توكلون على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا و تروح بطانا)، فقد بينت هذه النصوص المقدسة المفهوم العملي الاجرائي المطلوب تطبيقه حتى تتيسر الأمور وتتحقق الأهداف.

ما العمل؟

لذلك نستطيع القول إن البركة تأتي بالاقتناع  الحقيقي بها أولا، ثم البحث عن ماهيتها، ودراسة فوائدها وآثار غيابها من حياتنا، وهل الاكتفاء بمجرد الدعاء بالبركة الذي اعتاد الناس تداوله بينهم دون إدراك لحقيقتها كاف للوصول اليها.

إن البركة في الأعمار تأتي بتقوى الله، بفعل ما يرضي الله تعالى وتجنب ما يغضبه ولا يرضى به.

 والبركة في الرزق تأتي بالتوكل على الله، والكسب الحلال والانفاق المشروع، وجعل للوالدين والأقربين والارحام والفقراء والمحرومين نصيبا من الدخل.

 والبركة في تربية الأبناء يجب ألا تكون بمعزل عن توجيهات رب العالمين ورسوله الصادق الأمين فيجب أن تكون على طاعة الله واجتناب ما يغضبه.

ومثل ذلك البركة في صحة الاجسام وعافيتها تأتي بأكل الطيب الحلال، واجتناب الاثم والحرام، الذي يغضب الله ويمحق البركة ويذهب الصحة والواقع يشهد بذلك.

ومن نفس الأمثلة البركة في الوظائف والأعمال تأتي بالصدق والإخلاص في العمل، وترك التأويلات والاجتهادات التي مؤداها الإخلال بشروط العمل، والتي غالبا ما تكون نتيجة لردود أفعال على ممارسات الإدارة، فبمراقبة الله وحده وتحري أكل الحلال من تلك الوظائف تحل البركة  على الجميع.

قطعا ليست مصادفة:

هنا سؤال أضعه على السادة القراء الكرام ، لماذا برز ت الحضارة الاسلامية وتفوقت على كل حضارات العالم حتى سادت الدنيا في الفترة الممتدة من القرن الثامن الميلادي حتى القرن الخامس عشر أي ما يقارب سبعمائة عام ، حيث ظهرت خلالها ابداعات المسلمين في كافة جوانب الحياة حتى في العادات والتقاليد وأسلوب المعيشة، ناهيك عن التمسك بالقيم الدينية والأخلاقية،  وكيف تمكن علماء المسلمين من الإبداع والتفوق في مختلف الفنون والعلوم والآداب، حتى استعان الغرب بهم واستفادوا وانقادوا لتلك الحضارة بأقصى ما يستطيعون، فهل كان هذا مجرد مصادفة أم أن وراء الأمر سر افتقدته هذه الأمة؟.

وللجواب يمكن القول: إن نمط الحياة ونظام الدولة والمجتمع كان برمته قائم على الأسس التي قررتها هذه المقالة وهي اتباع التعليمات والتوجيهات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله، وتعظيمها، وترك التمرد عليها، والتندر منها، أو التقليل من شأنها. ولذلك حلت البركة على الأرض كلها، وليس عليهم فحسب [3].

خاتمة:

فاذا راجعنا الأمر رأينا أننا لسنا في بحاجة الى جهود كبيرة فوق وسعنا وطاقتنا البشرية للكسب والتعب والتربية، وإن كانت مطلوبة وبشدة، لكن الذي ينقصنا هو أن يبارك الله في الجهد والرزق والأهل والذرية والوظيفة والمشاريع ، وهذه المعاني لا تأتي إلا بسلوك الأعمال التي تحقق رضا الله وتستجلب توفيقه، حتى يأذن للبركة ان تنزل وللخير أن يعم، فإذا استوعبنا هذه المعاني، فعلينا إعادة صياغة مفهوم إدارة الحياة من خلال الممارسة الحقيقية للتعبد لله بالبركة.


[1]عطية، محمد ناجي (2014) ، مبادئ ادارة الأعمال، كتاب منهجي مقدم لجامعة الاندلس للعلوم والتقنية ضمن مقرراتها الدراسية لطلاب السنة الولى علوم إدارية.

[2] التمهيد لشرح كتاب التوحيد، دروس ألقاها صالح بن عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم آل الشيخ، دار التوحيد، 2003م

[3] عطية، محمد ناجي (2015)، الإسلام وإدارة الابتكار- دلالات ونماذج واقعية، ورقة عمل مقدمة الى: المؤتمر العلمي الدولي السنوي الرابع عشر لإدارة الأعمال ، جامعة الزيتونة ،عمان -الاردن ، نيسان ابريل 2015. https://cutt.ly/oaJmaJm

للمزيد طالع الموضوع هنا https://www.alukah.net/sharia/0/44260/

منصة أريد العالمية https://cutt.ly/zaN9v4J

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s