دنيا ودين … فأين أنت منهما؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الناس ثلاثة أصناف:

أصحاب دنيا خالصة، وأصحاب دين خالص، وأصحاب دنيا ودين

أما الصنف الأول فهم الكفار ممن لا يرجون لقاء الله تعالى فقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، فلها يعملون ومن أجلها يتعبون ويكافحون ويجدون ويجتهدون.

أولئك لا خير فيهم ولا خلاق لهم في الآخرة، وكل سعيهم فمن أجل الدنيا، ولذلك تراهم من أجلها يفرحون وعلى فواتها يحزنون وعلى حطامها يخاصمون وربما يقاتلون.

وهم الذين قال الله تعالى فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وقال عنهم: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وسماهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عبيد الدنيا والدرهم والدينار، فقال فيما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش) والخميصة نوع من أنواع الأقمشة والملابس، والمقصود بعبدها ان تكون مصدر الفرح والحزن والرضا والغضب لدى عابدها.

والسر وراء ذلك، أنهم لا يؤمنون بالبعث والنشور بعد الموت ولا يؤمنون بالثواب والعقاب ولا يؤمنون بالجنة والنار، ومن أجل ذلك جعلوا هذه الدنيا أكبر همهم ومبلغ علمهم، فسعوا لها بكل سبيل وزينوها وتفانوا في تحصيل ملذاتها وبالغوا في وسائل الترف والراحة والترفيه، لان أملهم بحياة أخرى أجمل وأعظم وأهم مقطوع بسبب إنكارهم وتكذيبهم وربما سخريتهم واستهزائهم بها والعياذ بالله.

العجيب أن الله تعالى لم يظلمهم وهم كفار، فعجل لهم أعمالهم وحسناتهم في الدنيا ، وأغدق عليهم نعمه الظاهرة استدراجا منه ومكرا بهم، فإذا ماتوا انقطع عنهم كل عمل وذهب عنهم كل رجاء في ثواب الله ودخول الجنة.

ويلحق بهؤلاء أقوام من المسلمين الذين يشهدون ألا إله الا الله وأن محمد رسول الله ، لكنهم تشبهوا بأولئك الكفار في أعمالهم وسعيهم من أجل الدنيا وحرصهم عليها، والرضا والغضب من أجلها والبكاء والحزن من فواتها، فقطعوا أرحامهم بعد أن أمروا بوصلها، وعمروا دنياهم بخراب آخرتهم، فنسوا حظا مما ذكروا به، عياذا بالله.

والصنفان المذكوران، من أكثر من عمر الارض ومشى في مناكبها من المسلمين ومن الكافرين.

الصنف الثاني: وهو صنف نادر الوجود، لم يسمع ذكرهم الا في الأنبياء والعباد الزهاد الذين تركوا الدنيا فلم يعبأوا بها وفرغوا أنفسهم للعبادة، وقضوا أعمارهم في سبيل الله بين ذكر ودعاء وصلاة وصيام وجهاد ودعوة وتعلم العلم وتبليغ.

سمعنا عن أمثال هؤلاء في الصحابة مثل أبي هريرة وبعض أهل الصفة وسمعنا من جاء من بعدهم من العباد والزهاد من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.

والوصف الذي يشملهم أنهم قوم جعلوا الدين أكبر همهم ومبلغ علمهم ولم يهتموا بالدنيا قليلها وكثيرها، فاستراحوا من عنائها ونكدها وهمها فلم يبالوا بشيء منها، فلم يستريحوا للحلو فيها ولم ينزعجوا للمُر منها، بل استوى عندهم الأمران، وانتفى من حياتهم عناء البحث عن رغد العيش وملاحقة الملذات والملهيات.

إن أكبر شيء يواجه هؤلاء مسألة كيفية الحصول على الرزق والمعيشة دون سؤال الناس بل الاعتماد على الله تعالى وحده، ومن المعلوم أن الله لا يرزق أحدا إلا بسبب، لأنه قد جعل الأرض ذلولا لعباده وأمرهم بالمشي في مناكبها ليأكلوا من رزقه وإليه النشور.

فكان لابد من وجود على الأقل الحد الأدنى من السعي للحصول على ما يقيم الحد الضروري للحياة، دون توسع فيها لأنها ليست لهم دار ولا قرار، فلا نعيمها يعجبهم ولا فواتها يقلقهم، بل الحد الادنى الذي يعفهم عن سؤال الناس والبقاء عالة عليهم، وهي مسألة غاية في الأهمية وتحتاج الى تفكير موضوعي وليس عاطفي.

الصنف الثالث: هم أيضا كثير جمعوا بين مميزات الصنفين السابقين، فهم مع الصنف الأول من حيث طلب الرزق الحلال مصحوبا بدعاء الله بالتوفيق للرزق الطيب الحلال المبارك وطلب الهدى والتقى والعفاف والغنى، وأن يكفيهم بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه، وأن يجنبهم غلبة الدَّين وقهر الرجال.

وهم مع الصنف الثاني من حيث التعبد والخضوع والإخلاص لله والتركيز على الفرائض بشتى أنواعها وشموليتها من عبادات ومعاملات، ثم أداء ما تتيسر من النوافل بما تسمح به الأوقات وبما لا يخل بمبدأ السعي في مناكب الأرض ويضربون فيها يبتغون من فضل الله.

لذلك، المسلم يجد نفسه بين هذه الخيارات، فماذا عساه ان يختار الا الخيار الأخير الذي يضمن له الكرامة والسعادة في الدنيا والفوز بالنجاة ورضوان الله في الآخرة.

والله المستعان وعليه التكلان///

 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s