البطل يهدم قبة الباطل

حينما كنت طفلا في بداية الستينات، حصل موقف كبير وحدث خطير ، في قريتي شعرت بآثاره، ولم أدرك تفاصيله ، ربما بسبب الطفولة ، لكنه موقف فعلا كبير مشهور ، وحادثة يجب أن تذكر في مقام كهذا

لقد أشرت في بعض مقالاتي في هذا المنتدى (راجعوا موضوع : (هل انتهت الصوفية من بلدي يافع أم عادت إلينا بثوب جديد ) أشرت إلى قبور وأضرحة الأولياء التي كانت تنتشر في أرجاء يافع حتى على مستوى القرى.

وفي قريتي وما جاورها كان لنا (قبة ) لولي، وكان الناس يقدسونه (حقا ) وقد عشت طرفا من ذلك الزمان ، ورأيت بعيني ألوان من التقديس والتقرب والاستغاثة والاستعانة بالقبر، من دون الله تعالى، ورأيت أنواعا من النذور، تهدى إليه، فكان يهدى إليه السمن ، والبخور ، وكانوا يخبرونا بأنه يسرج في الليل باستخدام ذلك السمن ، فكنا صغارا ببراءة الأطفال نتعجب من تلك القدرة الخارقة ، كيف يخرج من قبره فيسرج ( المسرجة ) ويضيء القبة.

وكانت العرائس تمر عليه قبل أن تخرج من عش الزوجية (بعد العسل ) إلى الحياة من اجل أن يبارك الولي حياتها ويوفقها لحياة مثالية مع زوجها، رأيت ذلك واخبرني أقاربي الكثير من الحكايات التي تؤكد هذا.

أكيد بعضكم من كبار السن (مثلي) عاش ذلك التاريخ ومرت به مثل هذه الذكريات

في تلك الأيام ، وجد البطل ، وهو رجل صالح من أهل القرية ، فتح الله عليه بالعلم والإيمان والتوحيد ، فكان ينكر على الناس فعلهم هذا

ويحاول مرارا أن ينهاهم لكن دون جدوى ، كان الناس في جهل لا يعلمون ، كانوا في حاجة إلى موقف إيماني شجاع يبرهن لهم حقيقة (لا اله إلا الله ) وان ما يفعل عند هذا القبر منكر وباطل .

فدخل معهم في تحدي ، وقال لهم انه لا يجوز إن يبقى هذا الضريح مشيدا من اجل فتنة الناس وإبعادهم عن دينهم ، ويجب علينا هدم هذه القبة، ومساواتها بالأرض وفقا لما جاء في السنة المطهرة.

لكنه لم يجد من يصغي إليه فضلا عمن يعينه على ذلك ، ربما للجهل السائد بين الناس وقلة الفقه في الدين، وربما رهبة الأمر وهيبة الموقف ، الذي صنع هالته المبتدعة ممن حرفوا الدين وفتنوا المسلمين.

وأخيرا قرر البطل (حفظه الله ، انه حي يرزق)

لقد قرر أن يهدم القبة بمفرده ويساويها بالأرض، مهما كلفه ذلك ولو كان الثمن حياته.

وفي صباح يوم جميل ، وما أن كادت الشمس ترسل أشعتها الدافئة كأنها خيوط الذهب ، وما أن لامست ورق الزروع ، وأطراف الأشجار وأهداب الأزهار وذرات الرمال في تلك القرية الهادئة وضواحيها الساكنة ، حتى خرج (البطل ) يحمل أدوات هدم (الباطل)، لم يكن يسمع أصواتا إلا أصوات العصافير التي تلون ألحانا من التسبيح والتهليل والتكبير ، كأني بها تناديه وتقول له:

يا أيها البطل قم إلى عملك وشمر إلى واجبك، ونحن معك على التوحيد ، قد لا نقدم لك العون، لكن ثق بأننا بقلوبنا معك ، لأننا وإياك نسبح الواحد الأحد وحده لا شريك له ، ونستنكر ما يفعله هؤلاء من العبادة لغير خالقنا سبحانه وتعالى.

وسرعان ما صعد البطل إلى ذروة القبة المدببة ، فأطاح برأسها ،وهو يسمي الله ويرفع صوته بالتهليل والتكبير ، وبدأ يهدم بمعوله قبة الباطل بكل جد وهم ونشاط.

أفاق الناس مذعورين على صوت ضربات المعول ودقات المطرقة وصيحات التهليل والتكبير.

فتسارع القوم شفقة عليه ، إنهم يظنون انه لا محالة هالك لأنه قد تجرأ على قديس يعبد ، ويقدس من عشرات السنين

ويتساءلون؛ هل فقد عقله حتى يقوم بفعلته هذه ؟ أم هل استغنى عن عمره ؟ واستغنى عنه أهله وعشيرته؟

تجمع القوم حول قبة الباطل المعتدى عليها ، وحاول البعض ثنيه عن هذا العمل ، لكنه أصر واستمر ، وكلما علت صيحاتهم ، كلما زاد شدة وشراسة في هدم قبة الباطل، كأني به وهو يردد الآية : (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )

أخيرا ، استسلم القوم، وهم موقنون بأنه لا محالة هالك فحتما سيصيبه القديس بأي نوع من الأذى ، استسلم القوم لهذه الفكرة بعد أن يئسوا من ثنيه عن بلوغ غايته

كان استسلامهم شفقة عليه من الذي ينتظره من المستقبل المجهول،

وهكذا أمضى يومه وقد أزال أكثر ذلك البناء العتيق المطلي ( بالنورة ) البيضاء الصلبة القاسية

واستمر لأيام عدة ، وحاله لا يزداد إلا إصرارا ، والناس لا يزدادون إلا شفقة عليه ، ولسان حالهم يقول العبرة بالخواتيم ، أي ماذا سيحل بك بعد ، الانتهاء من العمل.

واستمر البطل حتى حقق الغاية فعلا وسواه بالأرض، ونظف الأرض من حوله ، وطمس كل معالمه ، حتى عاد قبرا من قبور المسلمين ، التي لا يميزها عنهم شيء.

كانت المفاجأة مذهلة للجميع حينما رأوه عائدا إلى بيته وهو يتهادى في مشيته لا يعيبه إلا مشقة العمل ، وبعض الجروح الطفيفة في أطرافه ، لكنه في صحة جيدة ولم يصب بأي نوع من أنواع الأذى

فكر بعضهم لعله يصب بالأذى في الليل ، دعونا ننتظر الصباح، فكانت المفاجأة الأخرى والأبلغ من ذلك حينما رأوه في صباح اليوم التالي ، يمشي نحوهم ويسلم عليهم كعادته، بعد أن تناول طعام إفطاره المعتاد بكل شهية وعافية.

تأملوا فيه ، في تفاصيل وجهه ، وتقاسيم جسده وطريقة كلامه ، ونظراته ، فإذا بها تلك التفاصيل التي كانوا يعرفونها

ما الخطب ؟

ماذا فعل الولي انه لم يحدث بصاحبهم أي نوع من الضرر ؟

حينها أيقنوا إنهم كانوا طيلة الزمان الماضي إنما يعيشون في وهم وخرافة ويقدسون أحجارا وترابا ، وجسدا قد أكلته الأرض منذ زمان.

تألم بعضهم لهذه الحقيقة (المحزنة )

وأيقن الجميع أنهم خدعوا منذ عقود

وأيقنوا أنهم كانوا في حاجة إلى بطل جريء مقدام مثل هذا، يبين لهم معنى التوحيد بالممارسة والتطبيق العملي، لا بالمواعظ والنصائح والكلام فحسب.

سبحان الله انه رجل موفق

كانت قدرته على الخطابة والمحاضرة يسيرة، لكنه رجل شجاع مقدام يملك في جوفه قلبا يفيض بالتوحيد والإيمان واليقين.

قدم للناس ابلغ محاضرة واصدق خطبة استخدم فيها المعول (الخنزرة ) واستعان بالمطرقة والمجرفة ، ما ابسطها وما أصدقها من وسائل ، وما اشد فعلها حينما تكون في خدمة التوحيد ورفعة اسم الملك الديان، لقد فعلت فعلها بمساعدة ذلك البطل الموحد.

فلله درك وبارك الله في سواعدك وقدميك وسائر جسدك ، وحرمها على النار ، وحشرنا وإياك والسامعين مع إمام الموحدين، نبينا محمد عليه الصلاة والسلام

من فضل الله علينا وعلى أهل بلدي أن كانت هذه الحادثة بمثابة جرس الإنذار الذي دقه البطل بقوه من اجل أن يفيق الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى عهد التوحيد والعلم

وكان لموقفه اثر حتى علينا وجدناه فيما بعد إلى يومنا هذا.

فقد كانت قريتي من أوائل القرى التي نبذت الشرك ودخلت في التوحيد، بفضل الله تعالى ،ثم بجرأة وشجاعة البطل المقدام.

وأبشركم انه في مكان قريب لمكان القبة المهدومة، شيد مسجد كبير فريد ،بجهود أولئك الذي شهد أكثرهم أو إباؤهم تلك الحادثة

فصار منبرا عظيما يدعو إلى التوحيد، ويتعلم أبناؤهم ونساؤهم فيه التوحيد والقرآن والسنة، ولله الحمد والمنة

ودمتم سالمين ///

أبو غسان نوفمبر 2012

2تعليقان

  • نعم انه بطل بكل ما فعلة لقد كاني جدي يحكي لي كيف كانوا يتقربون الى هذه القبب التي كانت من الشرك بالله عز وجل وكانوا يحضرون السمن التقرب بالهدي لهذه القبلة ولاكن في النهاية يكون النصر للاسلام للبدع وقوله عز وجل (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )
    مع تحاتي ابو عمار

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s